13 مارس, 2012
ما هي هُويتنا.. وما هو دورنا؟
By host @ 09:54 ص :: 5211 Views :: آخر الأخبار, الأخبار, خبر بارز

أقام  "المعهد العالمي للفكر الإسلامي" و"مركز الحوار العربي" ندوة مشتركة في قاعة مقر المعهد بولاية فيرجينيا، يوم السبت 3/3/2012، حول موضوع: ما هي هُويتنا.. وما هو دورنا؟

وحضر الندوة مجموعة من المثقفين العرب في منطقة واشنطن، كما حضرها السفير الجديد لجامعة الدول العربية في الولايات المتحدة الدكتور محمد رجاء الحسيني الشريف.

وقد تضمنت الندوة تقديمات للموضوع من: الدكتور كلوفيس مقصود، الدكتور محمد فنيش، الدكتور داود خير الله، الدكتور محمد نمر، الدكتور أنور هدام وصبحي غندور. وأدار الندوة الدكتور ابوبكر الشنقيطي.

كما جرت مساهمات وآراء هامة من بعض الحاضرين للندوة وتعقيبات وملاحظات من الدكتور جمال البرزنجي/نائب رئيس "المعهد العالمي للفكر الإسلامي"، ومن السفير الدكتور الشريف.

وفيما يلي نص للورقتين المكتوبتين في الندوة وهما من الدكتور كلوفيس مقصود ومن صبحي غندور، مدير "مركز الحوار العربي":

د. كلوفيس مقصود

العروبة هي الهوية الحيوية للعرب لكن لا توجد مرجعية توجهها وهذه هي الازمة او العقد المفقود ..

الجامعة العربية تؤكد شرعية الهوية العربية لذلك اجدني حريص عليها كل الحرص ليس لنجاعة ادائها وانما لما تمثله من امكانية.. وبالتالي تمثل الجامعة قانونية سيادة الدولة... لكن قانونية الدولة القطرية هي مرحلة انتقالية والسؤال هنا هل تتطابق الشرعية مع القانونية.. هل ذلك قابل للتنفيذ؟"

قلت في كتابي "العروبة في زمن الضياع" ان هناك تفككا عربيا ومع ذلك فان العروبة في ادنى مراحلها توفر نوعا من المناعة الداخلية . فاذا انتهى هذا الحس فان المجتمعات ستتفكك تماماً ..

بوادر متكاثرة تشير إلى مزيد من التفكيك وفقدان المناعة داخل الأمة العربية، وحتى التفتيت داخل الكثير من مجتمعاتها، ولا أريد أن أتصور أن الحالة الراهنة هي دلائل تشير إلى فقدان العرب أمتهم، هذا يشكل ضرراً كبيراً وكبيراً جداً للأجيال العربية القادمة ليس هناك من ضوابط لهذا الفلتان في وحدة الأمة ووحدة الأوطان داخل مجتمعاتها، وقد يكون هذا مبرراً للتشاؤم، لكن المفروض أن لا نستقيل من العمل المبدع لاسترجاع مناعة المجتمعات العربية ومناعة احتمال قيام وحدة الأمة. قد لا يكون هذا محتملاً في القريب العاجل ولا في القريب المتوقع، ولكن لابد من التنويه بأنه إذا بقي التدهور والتآكل في الأوضاع فإن هذا يستدعي بشكل عاجل التقليص من احتمالات هذا التدهور، والعمل المضني لعودة الالتزام بوحدة الأمة.

المشكلة الاساسية هي بضرورة تحويل العروبة الى مواطنة بمعنى ان لا تشعر الاقلية بانها مهمشة ويجب ان نلغي ما يسمى بالاقليات ونكرس التساوي بالانتماء والحقوق في الدولة العربية مع الحفاظ على مساحة لتحافظ الاقليات على خصوصية تطلبها. ويمكن ان نراعي وجود ازدواجية اللغة وحفاظ هذه الاقليات على صيرورة لا تتناقض مع الهوية الام...

المهم هنا ان نقر بان هناك تنوع ثقافي وليس تعددية فالتعدد يخلق علاقات عامودية متكاذبة سرعان ما تستحيل الى نزاع في اي منعطف ...التنوع نحتفل به كخميرة ابداع ...اما التعددية فجعلت من الطوائف في الكثير من المناطق قطعان ويتحولون الى امتدادات لقوى خارجية ...

كل ذلك يستوجب إرجاع حقوق المواطنة، وهنا اقول ان العلمانية ليست فصل الدين عن الدولة وانما فصل الدولة عن المرجعية السياسية للمؤسسات الدينية. بالمفهوم القومي العربي فان الاسلام هو جزء من تراث كل العرب وتاريخهم ومكون اصيل لثقافتهم ... هذا ما يميز العلمانية العربية عن علمانية الغرب حيث كانت الكنيسة فى الأزمنة الغابرة هى .

أن المواطنة من شأنها أن تؤكد المساواة فى الحقوق والتعددية والاعتزاز بالتنوع. ولعل تلقائية ما كان يحصل فى ميدان التحرير بالقاهرة خلال ثورة 25 يناير حيث كانت حماية المسلمين أثناء الصلاة مناطة بشباب الأقباط أيام الجمعة فى حين أن الشباب المسلم كان يحمى المصلين الأقباط، كان هذا يمثل نموذج مفهوم المواطنة الذى بدوره يلغى التمييز. فالمواطنة تجذر وحدة الوطن وتعزز التنوع. لذا ما حصل ويحصل فى بعض البلدان العربية من حوادث وصراعات طائفية ومذهبية واستهداف للمسيحيين، هو شطط يتنافى مع قيم الإسلام والحضارة الإسلامية التى تفترض من كل مواطن عربى أن يكون قيما عليها، وهذا لا يكون إلا بتأكيد المواطنة كأساس لهوية عربية واحدة.

ولعل توصيف الانتفاضات المتلاحقة بـ«الربيع العربى» كان بمثابة التوقع والتمنى أكثر مما كان كما يجب أن يكون موضوعيا وأكثر استيعابا لما تنطوى عليه من تعقيدات تفرزها طبائع الاستبداد في النظم. فقد كان ما حصل فى تونس ثم مصر ملهما استولد آمالا واعدة باستعادة الكرامة الوطنية المفتقدة وحقوق الإنسان المقموعة وحاجات المواطن التى هى إلى حد كبير مفقودة، وفى أحسن الظروف مهمشة. إلا أن النجاحات التى حصلت فى كل من تونس ومصر سرعت فى التماثل عند أقطار عديدة فى الأمة العربية. هذا بدوره برهن على ظاهرة إيجابية بأن ما كان ولايزال قائما على وحدة متأصلة بين الشعوب العربية، فيما كان النظام «الرسمى» العربى مصرا على استمرار هذه الوحدة معطلة تعزز «واقعية» ما يفرق، وبالتالى يمعن فى ترسيخ مفهوم يتسم بالتشويه إن لم يكن بالتزوير لمفهوم "السيادة"، كما يصمم على تأكيد التزام «الاستقلال» كحائل أمام التنسيق ناهيك عن أية خطوة باتجاه الوحدة حتى فى السياسات المصيرية والمواقف المرغوبة على مستوى القضايا المصيرية خاصة ما يتعلق بقضية مصير الشعب الفلسطينى التى من البديهى أن تبلور قومية الالتزام القادر على انتزاع الاحترام لصدقية واستقامة وجدية العمل لتمكين الشعب الفلسطينى من تقرير مصيره على الأقل فى ما وفرته الشرعية الدولية من حق للمقاومة فى سبيل إنجاز المطلوب والمرغوب .

مرة أخرى، فلنجعل من مفهوم المواطنة العمود الفقرى لحماية مناقبية القيم المشتركة، فالمواطنة هى النمط فى حين أن الطائفية والعنصرية هى الشطط الذى يجعل التقوقع مدخلا للفتنة وفى الوضع الراهن السند الرئيسى لظلاميات الثورة المضادة وبالتالى لمحاولة هدر ما أنجزته ثورتا تونس ومصر في مطلع العام الماضي.

صبحي غندور

الإجابة على سؤال: (ما هي هُويتنا) تحدد حتماً الإجابة السليمة على سؤال: (ما هو دورنا). فهي علاقة وطيدة بين سؤال: "من نحن" وسؤال: "ماذا نريد". لكن يبدو ان هذه التساؤلات فيها خصوصية عربية لا نجدها في أمم وشعوب أخرى كثيرة حسمت هذه الإجابات منذ فترة طويلة من الزمن. فمشكلتنا نحن العرب أو المهاجرين القادمين من أوطان عربية أننا نعاني لحوالي قرن من الزمن من صراعات بين هُويات مختلفة ومن عدم وضوح أو فهم لهذه الهويات المتعددة أصلاً.,ظبخىف.

وفي هذا الزمن الانقسامي الذي تمرّ به المنطقة العربية، فإنّ مشاعر اليأس تزداد بين العرب وتصل ببعضهم إلى حدّ البراءة من إعلان انتمائهم العربي، وتحميل العروبة مسؤولية تردّي أوضاعهم.

إنّها مشكلة الخلط بين الانتماء والظروف، بين العروبة والأنظمة، بين الهويّة والممارسات.

إنّها مشكلة التعامل مع الانتماء القومي بمقدار ما ننظر إليه آنيّاً وليس بمقدار ما هو قائم موضوعياً.

وسواء رضي بعضنا بذلك أم لم يرضَه، فإنّ الانتماء للهوية العربية، ليس ثياباً نلبسها ونخلعها حين نشاء، بل هو جلد جسمنا الذي لا نستطيع تغييره مهما استخدمنا من عمليات جراحية وأدواتٍ مصطنعة. فتلك طبيعة قانون التطوّر الاجتماعي الإنساني الذي ينتقل بالناس من مراحل الأسر والعشائر والقبائل إلى مرحلة الأوطان والشعوب والأمم.

إنّ "الهوية العربية"، والانتماء لها، فخرٌ لنا، ماضياً وحاضراً ومستقبلاً. فيكفينا فخراً أنّ أرضنا العربية كانت أرض كلّ الرسالات السماوية، وأنّ الله عزَّ وجلَّ كرّمها بأنّ بعث رسله كلّهم منها وعليها، وكانت هذه الأرض الطيّبة منطقة ومنطلق الهداية الإلهيّة للناس أجمعين وفي كلّ مكان.

وقبل الدخول في صلب الموضوع أشير إلى أن مسألة الهوية في اعتقادي لا ترتبط فقط بالجغرافيا بل بالتاريخ وبالمستقبل وبالحاضر السياسي والثقافي والإجتماعي. كذلك فان الهويات المتعددة للإنسان الفرد أو الجماعة هي ليست كأشكال الخطوط المستقيمة التي تتوازى مع بعضها فلا تتفاعل أو تتلاقى أو التي تفرض الأختيار فيما بينها، بل هذه الهويات المتعددة هي كرسوم الدوائر التي يُحيط أكبرها بأصغرها والتي فيها (أي الدائرة) "نقطة مركزية" هي الإنسان الفرد أو الجماعة البشرية. هكذا هو كل إنسان حيث مجموعة من الدوائر تُحيط به من لحظة الولادة فيبدأ باكتشافها والتفاعل معها خلال مراحل نموه وتطوره: من خصوصية الأم إلى عمومية البشرية جمعاء.

ولعل أيضاً الخصوصية العربية في مشكلة تحديد الهوية نابعة من هذا الإنفصام الحاصل بين وجود ثقافة عربية واحدة ومن عدم وجود دولة عربية واحدة. فشعوب العالم يشترك بعضها في حضارات لكن هناك خصوصيات ثقافية لكل شعب حتى لو اشترك مع شعوب أخرى في حضارة واحدة.

إنّ معظم شعوب العالم اليوم تكونت دوله على أساس خصوصية ثقافية بينما الثقافة العربية لا يُعبّر عنها بعد في دولة واحدة. ونجد الآن في داخل الجسم العربي من يُطالب بدول لثقافات أثنية (كحالة الأكراد والأمازيغيين) بينما الثقافة العربية الأم نفسها لا تتمتع بحالة "الدولة الواحدة". فالموجود الآن من الدول العربية هو أوطان لا تقوم على أساس ثقافات خاصة بها بل هي محددة جغرافياً وسياسياً بفعل ترتيبات وظروف مطلع القرن العشرين التي أوجدت الحالة الراهنة من الدول العربية إضافة طبعاً إلى إيجاد دولة إسرائيل في قلب المنطقة العربية.

لقد ترافق تحوّل الأمم إلى دول -أو القوميات إلى حكوماتٍ خاصة- مع سقوط الامبراطوريات، بحكم التضارب أصلا بين وجود إمبراطوريةٍ تضمّ أكثر من أمَّة، وبين الدعوات إلى استقلال الأمم وبناء الكيان/الدولة لها. (مثال قوميات الاتحاد السوفييتي التي تحرّرت الآن من الهيمنة الروسية، ومثلما حدث في أوروبا بالقرن التاسع عشر، ثم تفكك الأمبراطورية البريطانية في القرن العشرين).  

لكنَّ الملفت للانتباه على الصعيد العربي (منذ عهد الخلفاء الراشدين إلى نهاية العهد العثماني) هو توالي أشكالٍ من حكم العرب وغير العرب على أساسٍ غير قوميٍّ أصلا وغير محدَّدٍ بشعبٍ معيَّن أو بأرضٍ معيَّنة (وهذا شكل من أشكال الإمبراطورية التي تضمّ أكثر من شعبٍ وقومية).

وفي مرحلة القرن العشرين -التي ورثت فيها الإمبراطوريتان (البريطانية والفرنسية) الإمبراطورية العثمانية- انتقل العرب من حال حرّية الحركة على أرضٍ واحدة (دون كيانٍ سياسيٍّ عربيٍّ واحد طبعاً، والتي كانت قائمة في ظل دول "الخلافة") إلى حالٍ من القيود والحواجز على أرض العرب المشتركة، كمحصلة لإتفاقيات "سايكس – بيكو"، في ظلِّ محاولاتٍ لصنع ثقافاتٍ خاصَّة مجتزأة شجَّعت عليها بقوّةٍ السلطات البريطانية والفرنسية التي كانت تهيمن آنذاك على معظم البلاد العربيَّة .

ثم ورثت الولايات المتحدة الأميركية دور بريطانيا وفرنسا في المحافظة على الواقع العربي المجزَّأ، مع دعمٍ كبيرٍ ومفتوح لوجود إسرائيل كنواةٍ لبناء قوميةٍ جديدة (غير عربيَّة على الأرض العربيَّة) وبطابعٍ عنصريٍّ يهوديٍّ وتوسعيّ!

خلاصات:

1-إنّ "الهوية العربيَّة" كانت موجودة كلغةٍ وثقافة قبل وجود الإسلام، لكنَّها كانت محصورة بالقبائل العربيَّة وبمواقع جغرافية محدّدة في الجزيرة العربية. بينما "الهوية العربية الحضارية" الآن، والتي أستحسن تسميتها ب"العروبة" كَهويَّة انتماءٍ ثقافي غير عنصري وغير قبلي- بدأت مع ظهور الإسلام، ومع ارتباط اللغة العربيَّة بالقرآن الكريم، وبنشر الدعوة بواسطة روَّادٍ عرب.

فالعروبة هي إضافة حضارية مميَّزة أوجدها الإسلام على العربيَّة كلغة نتيجة ارتباط الإسلام بالوعاء الثقافي العربي ماضياً وحاضراً ومستقبلاً.

وهكذا أصبحت العروبة الحضارية هي الثقافة العربيَّة ذات المضمون الحضاري الذي جاء به الإسلام، وبالتَّالي خرجت الثقافة العربيَّة من دائرة العنصر القبلي، ومن حدود الجغرافية الصغيرة، إلى دائرةٍ تتَّسع في تعريفها ل"العربي" ليشمل كلّ من يندمج في الثقافة العربيَّة بغضِّ النَّظر عن أصوله العرقية أو الأثنية أو القبلية أو الدينية.

2-العرب هم أمَّة واحدة في الإطار الثقافي وفي الإطار الحضاري وفي المقاييس التاريخية والجغرافية (اشتراك في عناصر اللغة والثقافة والتاريخ والأرض)، لكنَّهم لم يجتمعوا تاريخياً في إطارٍ سياسيٍّ واحد على أساس العروبة فقط. فالهوية العربية كانت موجودة ك"ثقافةٍ خاصَّة" قبل الإسلام، ثم كحضارةٍ من خلاله وبعده، لكنها لم تتجسَّد بعدُ سياسياً كأمَّةٍ واحدة، في إطار كيانٍ سياسيٍّ واحد، وعلى أساس مرجعية العروبة كانتماء. إنَّ الأرض العربيَّة كانت تحت سلطةٍ واحدة في مراحل عديدة من التاريخ، لكن على أساس مرجعيةٍ دينيةٍ إسلامية (الخلافة) لا على أساسٍ قوميٍّ عربيّ.

إنَّ العروبة هي حالة انتماءٍ إلى مضمونٍ حضاريٍّ إسلاميٍّ مميَّز بعلاقته مع اللغة العربيَّة، وتقوم على قاعدة الثقافة العربيَّة. إلا أنَّ العروبة، رغم توفِّر عناصر تكوين الأمَّة فيها، فهي لم تصل بعد إلى حالة الانتماء إلى كيانٍ سياسيٍّ موحَّد، ولم يحصل ذلك تاريخياً من قبل على أساس مرجعية العروبة فقط.

طبعاً، فإنّ الوصول إلى مشروع الكيان العربي الواحد أو الاتحادي يتوجَّب إتباع الأساليب المرحليَّة المتعدِّدة شرط قيامها جميعاً على أساسٍ ديمقراطيٍّ في الداخل، وسلميٍّ حواريٍّ في العلاقة مع الطرف العربي الآخر.

أيضاً، من المهمِّ معالجة مشكلة "الهوية العربية" مع الرافضين لها على أساس خصوصيات أثنية أو دينية أو اقليمية بحكم تجارب سلبية حصلت باسم "القومية العربية".

من هنا أهمية التوافق على مسألتين:

الأولى: حسم مسألة الانتماء إلى أمَّةٍ عربيَّةٍ واحدة من حيث عناصر تكوين الأمَّة (لغة- ثقافة- تاريخ - أرض مشترَكة)، وحسم مسألة البُعد الحضاري الإسلامي الخاصّ في العروبة والمميِّز لها عن باقي القوميات في العالم.

الثانية: ضرورة المرونة في كيفيَّة الوصول إلى تعبيرٍ دستوريٍّ سياسي عن وحدة الأمَّة. وفي عالمنا المعاصر نماذج لذلك:

- التجربة الأميركية (دستور اتحادي/فيدرالية بين خمسين ولاية).

- التجربة الأوروبية (تكامل تدريجي/من الكونفدرالية إلى الفيدرالية بين أممٍ ودولٍ مختلفة).

لكن يبقى الأساس في أيَّة وسيلةٍ تستهدف الوصول إلى دولة "الولايات العربية المتحدة" أو إلى "الإتحاد العربي"، هو:

1-  الدعوة السلمية ورفض الابتلاع أو السيطرة أو الهيمنة من وطنٍ عربيٍّ على آخر..

2-  تحرر الأوطان من الهيمنة الأجنبية وإقامة نظام الحكم الديمقراطي في كل منها قبل المباشرة بعملية الوحدة أو الإتحاد. فالتَّحرر الوطني والديمقراطية معاً هما المدخل السليم لوسائل تحقيق الوحدة أو أيّ شكلٍ اتحاديٍّ عربيّ.

إنّ تطوير العلاقات العربية/العربية باتجاهٍ أفضل ممّا هي عليه صيغة "الجامعة العربية"، أصبح يتطلّب تطويراً لصيغة أنظمة الحكم في الداخل، وإعادة الاعتبار من جديد لمفهوم العروبة على المستوى العربي الشامل. فتحقيق أوضاع دستورية سليمة في كلّ بلد عربي هو الآن المدخل الصحيح لبناء علاقات عربية أفضل، وهو الضمان كذلك لاستمراريّة أي صيغ تعاونٍ عربيٍّ مشترك. لكن المشكلة الآن ليست في غياب الحياة الديمقراطية السليمة فقط، بل أيضاً في ضعف الهُويّة العربية المشتركة وطغيان التسميات الطائفية والمذهبية والأثنية على المجتمعات العربية. وفي هذا الأمر تكمن مخاطر الانفجار الداخلي في كلّ بلد عربي، وبذا تصبح العروبة لا مجرّد حلٍّ فقط لأزمة العلاقات بين البلدان العربية، بل أيضاً سياجاً ثقافياً واجتماعياً لحماية الوحدات الوطنية في كلّ بلد عربي.

إنّ العروبة الثقافية الجامعة بين كلّ العرب هي حجر الزاوية في البناء المنشود لمستقبلٍ أفضل داخل البلدان العربية، وبين بعضها البعض.

وحينما تضعف الهُويّة العربية فإنّ بدائلها ليست هُويّات وطنية موحّدة للشعوب، بل انقسامات حادّة تولد حروباً أهلية من شأنها أن تأكل الأخضر واليابس معاً.

إنّ الشعوب تنتقل خلال مراحل تطوّرها من الأسرة إلى العشيرة ثمّ إلى القبيلة ثمّ إلى الوطن والأمم، فلِمَ نريد أن نعيد دورة الزمن إلى الوراء؟ بل ماذا فعلنا حتى تبقى أوطاننا واحدة تتطوّر وتتقدّم وتتكامل بدلاً من دفعها للعودة إلى حروب القبائل والطوائف؟!

ولأنّ الشعوب هي مجموعة أفراد، ولأنّ الوطن هو مجموعة مواطنين، فإنّ المستقبل العربي يتوقّف على مجهود كلّ فرد فيه، ويتحمّل كلّ مواطن عربي في كلّ مكان مسؤولية وأمانة رسم آفاق هذا المستقبل، وتصحيح خلل المعادلة ما بين الموقع الإيجابي للأمّة العربية تاريخياً وجغرافياً وحضارياً، وبين الواقع السلبي الآن للأوطان والشعوب معاً..

إنّ التنوع والتعدّد بمختلف أشكالهما، ومنها الاختلاف في الخلق والأجناس واللغات والطوائف، هي سنّة الخالق الحتمية على هذه الأرض، والطبيعة تؤكّد تلك الحقيقة في كلِّ زمانٍ ومكان. لكن ما هو خيار بشري ومشيئة إنسانية هو كيفيّة التعامل مع هذا "التنوع والتعدّد"، ومن ثمّ اعتماد ضوابط لأساليب التغيير التي تحدث في المجتمعات القائمة على "التعددية الدينية والأثنية".

فليس المطلوب عربياً، وهو غير ممكن أصلاً، أن تتوقّف كل مظاهر الانقسام في المجتمع. فهذه دعوة للجمود ولمناقضة طبيعة الحياة وسنّتها التي تقوم على التحوّل والتغيير باستمرار، وعلى التصارع بين ماضٍ وحاضر ومستقبل. لكن المؤمّل به هو أن تأخذ الصراعات السياسية والاجتماعية أولويّة الاهتمام والتفكير والعمل بدلاً من الصراعات الأخرى التي تجعل الفقراء مثلاً يحاربون بعضهم البعض فقط لمجرّد توزّعهم على انتماءات إثنية أو طائفية أو قبلية مختلفة.

فحينما ينتفض شعبٌ ما في أيِّ بلد من أجل المطالبة بالعدالة السياسية والاجتماعية، تصبح حركته قوة تغيير نحو مستقبل أفضل، بينما العكس يحدث إذا تحرّكت الجماعات البشرية على أساس منطلقات إثنية أو طائفية، حيث أنّ الحروب الأهلية ودمار الأوطان هي النتاج الطبيعي لمثل هذا التحرّك.

إنّ المجتمعات الديمقراطية المعاصرة قد توصّلت إلى خلاصات مهمّة يمكن الأخذ بها في أيّ مكان. وأبرز هذه الخلاصات هي التقنين الدستوري السليم لتركيبة المجتمع ممّا يصون حقوق "الأكثرية" والأقلّيات معاً، رغم مبدأ خضوع الجميع لما تختاره أكثرية الناخبين حينما تكون هناك انتخابات عامَّة في البلاد.

وأيضاً لا بدّ في هذه المجتمعات من توافر الحدّ الأدنى من ضمانات الأمن والغذاء، وبعض الضمانات الاجتماعية والصحية، ممّا يكفل التعامل مع مشكلتيْ "الخوف" و"الجوع"، فلا تكون "تذكرة الانتخاب" أسيرة ل"لقمة العيش"، ولا يخشى المواطن من الإدلاء برأيه أو المشاركة بصوته الانتخابي كما يملي عليه ضميره لا كما يرغب من يتحكّم بلقمة عيشه أو من يرهبه في أمنه وسلامته.

هذه أسس هامّة لبناء المجتمعات الحديثة ولتوفير المناخ المناسب لوحدة الأوطان ولتقدّمها السياسي والاجتماعي ولمنع الاهتراء في أنظمتها وقوانينها، كما هي عامل مهم أيضاً في منع تحوّل الأزمات الاقتصادية والاجتماعية إلى براكين نار تحرق نفسها ومن حولها.

إذن، من غير توفّر مقومات نظام سياسي ديمقراطي، فإنّ أيَّ ضغط عنفي لتغييرٍ ما في المجتمع قد يتحوّل إلى أداة تفجير اجتماعي وأمني يصعب التحكّم بنتائجه.

كذلك، فإنّ عدم الالتزام بأساليب التغيير الديمقراطية يعني تحويراً للانقسامات السلمية نحو مسارات عنيفة. فالانقسامات السلمية الصحية في المجتمعات تحتاج لضمانات التغيير الديمقراطي اللاعنفي من قبل الحاكمين والمعارضين معاً.

وقد يساعد، في تعميق هذه الخلاصات، فرز مهم لا يحدث عادة لدى المنشغلين في هموم تغيير المجتمعات. فبمقدور المجتمعات العربية أن تحقّق خطوات إيجابية أوسع لو وضعت باعتبارها لائحة "التمييز المطلوب" هذه:

أولاً: التمييز المطلوب في العمل السياسي ما بين تغيير الحكومات وبين مخاطر تفكيك الكيانات الوطنية. فالخلط بين النظام الحاكم والكيان الوطني الواحد هو خطر على الوطن كلّه. لذلك التمييز ضروري بين تغيير أشخاص وسلطات وقوانين وبين تهديم أسس الكيان الوطني والمؤسسات العامة في الدولة.

ثانياً: التمييز ضروري بين رفض أسلوب العنف المسلّح من أجل التغيير، وبين حقّ المقاومة المشروعة من أجل التحرير حينما تكون هناك أجزاء من الوطن خاضعة للاحتلال.

أيضاً، التمييز مطلوب بين أسلوب المقاومة المشروع ضدّ جيش الاحتلال على الأرض المحتلّة، وبين أساليب العنف الإرهابية التي تستهدف الأبرياء والمدنيين، تحت حجج وذرائع لا تقرّها أبداً شريعة دينية أو معتقد سياسي.

ثالثاً: التمييز بين الطائفة أو المذهب، وبين الطائفية والمذهبية. فالحالة الأولى هي ظاهرة طبيعية إنسانية موجودة في أكثر من مجتمع يقوم على التعدّدية. أمّا الحالة الثانية، فهي ظاهرة مرَضيَة تؤدّي إلى تفكّك المجتمع وضعفه وانقسامه.

رابعاً: التمييز بين الاعتزاز بالوطنية المحليّة، وبين الانعزاليّة الإقليمية التي لا تحقّق أمناً ولا تصنع وطناً قادراً على العيش في عصر العولمة.

وكما التمييز مطلوبٌ بين الحرص على الولاء الوطني وبين التقوقع الإقليمي، فإنّ من المهم أيضاً التمييز بين الانفتاح على الخارج وبين التبعيّة له.

خامساً: التمييز بين الانتماء القدَري للعروبة، وبين الحركات القومية السياسية. فالعروبة هي انتماء ثقافيّ مشترك بين العرب كلّهم، وهي هويّة حضارية لكلّ أبنائها، في حين أنّ الحركات القومية هي حركات سياسية لها مضامين فكرية وعقائدية (ربّما متصارعة أحياناً فيما بينها)، تماماً كما هو أيضاً حال الحركات السياسية الدينية، وضرورة التمييز بين اجتهاداتها الفكرية وبين الدين نفسه.

سادساً: التمييز ما بين قدسية الكتب والرسالات السماوية، وبين إنسانية الفقهاء ورجال الدين والحركات السياسية التي تحمل أسماءً دينية. فلا يجوز تكفير الآخرين لمجرّد اختلافهم مع رأي فقيه أو عالم ديني أو حركة سياسية دينية.

سابعاً: التمييز بين الدين والدولة (وليس فصل الدين عن المجتمع)، وتحديد المرجعية في التشريع الدنيوي القانوني للمؤسسات الشعبية المنتخَبة. فالتمييز ضروري بين أهمّية دور الدين في المجتمع وبين عدم زجّه في مهام الدولة وسلطاتها.

أخيراً، فإنّ التمييز مطلوبٌ بين قدرتنا كعرب على تصحيح انقساماتنا الجغرافية من أجل حاضرنا ومستقبلنا، وبين انقساماتنا التاريخية في الماضي التي ما زلنا نحملها معنا جيلاً بعد جيل، ولا قدرة لنا على تغييرها أصلاً!

دورٌ منشود للمهاجرين العرب

ما أحوج الأمَّة العربية اليوم إلى "عمل نهضوي عربي شامل" يشترك فيه مجموعة من أبنائها المقيمين في بلاد العرب مع المنتشرين منهم في بقاع العالم، ليشكّلوا معاً روّاد النهضة وطلائع الإصلاح المتوجّب لأوطانهم وأمَّتهم.

إنَّ مأساة الأمَّة تكبر يوماً بعد يوم، ليس بسبب ما يحدث فيها وعلى أرضها فقط، بل نتيجة ما يخرج منها من كفاءات وأموال وأدمغة...

إنَّ التكامل الحاصل بين الولايات الخمسين الأميركية، يجعل صاحب الكفاءة أو رجل الأعمال الأميركي يهاجر من ولايةٍ ما، إذا ما اضطربت اجتماعياً أو أمنياً أو اقتصادياً، إلى ولايةٍ أميركية أخرى.. كذلك الحال الآن بين دول الاتحاد الأوروبي. فهي أمم تحتفظ بأدمغتها وأموالها وبشبابها وخبراتها، فلا تنضب ولا تُهاجر ثرواتها المادية والبشرية!

لقد توفَّرت للمهاجرين العرب إلى الغرب، فرصة العيش المشترك فيما بينهم بغضِّ النظر عن خصوصياتهم الوطنية، وبالتالي توفَّر إمكان بناء النموذج المطلوب لحالة التفاعل العربي في أكثر من مجال. أيضاً أتاحت لهم الإقامة في الغرب فرص الاحتكاك مع تجارب ديمقراطية متعدّدة من الممكن الاستفادة منها عربياً في الإطارين الفردي والمجتمعي. لذلك فإنّ للمهاجرين العرب خصوصية مميّزة في عملية الإصلاح العربي المنشود.

لكن للأسف، فإنّ معظم المهاجرين العرب يعيشون الآن محنة ارتجاج وضعف في هويّتهم العربية وفي هُويّة بلد الهجرة نفسه. فالمهاجرون العرب، أينما وُجِدوا، ينتمون عملياً إلى هويتين: هويّة أوطانهم العربية الأصلية ثمّ هويّة الوطن الجديد الذي هاجروا إليه. وقد تفاعلت في السنوات الأخيرة، خاصّة عقب أحداث 11 سبتمبر 2001، جملة تطوّرات انعكست سلبياً على الهويتين معاً. وقد عانى الكثير من العرب في الغرب من هذا الشعور السلبي حيالهم وحيال كل ما يمتّ بصلة إلى العرب والعروبة والإسلام.

الأخطر من ذلك عند المهاجرين العرب، هو التشكّك الذاتي الحاصل لدى بعضهم في هويّته الأصلية العربية، ومحاولة الاستعاضة عنها بهويّات فئوية بعضها ذو طابع طائفي ومذهبي، وبعضها الآخر إثني أو مناطقي أو في أحسن الحالات إقليمي. وربّما يرجع سبب ما يحدث من تراجع وضعف في مسألة "الهويّة العربية" إلى طغيان الانقسامات وسمات مجتمع "الجاهلية" على معظم المنطقة العربية، وانعكاس هذا الأمر على أبنائها في الداخل وفي الخارج.

إنّ الدور المنشود عربياً من المهاجرين العرب يُحتّم عليهم أولاً تحسين وإصلاح ما هم عليه الآن من خلل في مسالة الهوية ومن سلبية تجاه مؤسسات العمل العربي المشترك في الغرب.

ولا أعلم لِمَ لا يستفيد المهاجرون العرب من تجارب سابقة في الهجرة العربية للغرب، كان في مقدّمتها في مطلع القرن العشرين تجربة الأدباء العرب ذوي الأصول اللبنانية، الذين أستوطنوا في معظمهم بمدينة نيويورك الأميركية وشكّلوا فيما بينهم "الرابطة القلمية" بمبادرة من الكاتب والمفكر جبران خليل جبران، حيث كانت هذه "الرابطة" نموذجاً لما نحتاجه اليوم في دول المهجر من منتديات وروابط وجمعيات تقوم على أساس المشترك من الهُوية الثقافية والاهتمامات والعمل، لا على الأصول الوطنية والطائفية والمناطقية. فعلى الرغم من أنّ كل هولاء الأدباء الذين جمعتهم "الرابطة القلمية" كانوا من أصول لبنانية ودينية مسيحية فإن "رابطتهم" كانت الأدب العربي، فلم يجتمعوا أو يعملوا في أطر فئوية، ولم يُطلقوا على أنفسهم أسم "الرابطة اللبنانية" أو "الرابطة المسيحية". فكان "قلمهم" من أجل نهضة أوطانهم ووحدة شعوبهم ومن أجل الإنسان عموماً بغضَّ النظر عن العنصر والدين. كذلك فعل أدباء المهجر آنذاك في أميركا الجنوبية حيث أسسوا "الرابطة الأندلسية" التي برزت فيها أسماء رشيد سليم الخوري وفوزي المعلوف وآخرون.

وفي فترة زمنية متقاربة مع فترة تأسيس "الرابطة القلمية" في نيويورك، حدثت تجربة الإصلاحي الإسلامي الشيخ محمد عبده من خلال تأسيس مجلة "العروة الوثقى" في باريس. وكما حرص الشيخ محمد عبده على توظيف منبره (العروة الوثقى) لإصلاحيين ومفكريين آخرين، كان في مقدّمتهم الشيخ جمال الدين الأفغاني، كذلك كانت "الرابطة القلمية" التي أسّسها جبران منبراً لعدد مهم من المفكرين والأدباء كميخائيل نعيمة وإيليا أبو ماضي. فهذا النموذج من المهاجرين العرب أدرك واجبه ومسؤوليته في إصلاح المجتمع الذي هاجر منه، وفي المساهمة الفكرية والعملية بتقديم المشروع النهضوي المطلوب، وفي جعل بلد المهجر مصنعاً لخميرة إيجابية جيّدة وجديدة، لا مرآةً تعكس سلبيات الأوطان التي هاجروا منها. ولم يجد هؤلاء في "الآخر" منهم منافساً بل مكمّلاً لعطائهم. تعلّموا الكثير من بلدان الغرب لكن لم يفقدوا هُويّتهم ولا نسوا أوطانهم. حافظوا على لغتهم وثقافتهم في بلاد المهجر لكن كانوا فاعلين إيجابيين أيضاً في مجتمعاتهم الجديدة. كان همّهم الأول في "الشرق" وإن كان تواجدهم في "الغرب". استفادوا من حسنات المكان لكي يساهموا في تغيير سيّئات زمن أوطانهم.

 

د. محمد نمر

قارن الدكتور محمد نمر أستاذ "الإسلام وشؤون العالم" في الجامعة الأمريكية بواشنطن خطابات الهوية في وسط المنظمات العربية والإسلامية في أمريكا بالجدل الذي يتكرر في العالم العربي كلما حدثت تغيرات كالتي تجري في دول الربيع العربي، فقال إن هناك عدة مصادر للانتماء ساهمت في تشكيل هويات النشطاء العرب والمسلين ومنظماتهم، بما في ذلك الدين والإثنية والطائفة والبلد الأصلي والإيدولوجية. أما ما تعنيه هذه الهويات بالنسبة للمجتمع الأمريكي الأكبر فهو أمر خاضع لجدل سياسي، فهناك المنادون بالاندماج الذين يعتقدون بضرورة الانصهار بثقافة الأغلبية البيضاء الأنجلو-ساكسونية البروتستانتية (الهوية المعروفة اختصارا بال"واسب")، وهناك طرف اخر يرفض خطاب الهيمنة ويؤكد على القبول بأن المجتمع الأمريكي متعدد الأعراق والأديان والأصول والثقافات، وقد تصاعد هذا التيار في الستينات مع امتداد حركة الحقوق المدنية ومالبث أن انحسر هذا المد قليلا بعد تصاعد اليمين المسيحي في الثمانينات ولكنه عاد إلى الخطاب العام بسبب استحقاقات تزايد التنوع السكاني الناجم عن الهجرة غير البيضاء المستمرة لأمريكا (والتي يشكل العرب والمسلمون جزءا منها)، وهناك طرف ثالث ينادي بهوية تعددية مع قبول هيمنة الواسب. و من العرب والمسلمين من انعزل عن هذا الجدل ومنهم من قبل بإحدى الأطروحات الثلاث أو مزيج منها، لكن يمكن وصف التوجه الغالب عندهم برفض الانسلاخ عن العروبة والإسلام وتبني خيار المشاركة والتشبث بالحقوق التي يمنحها الدستور الأمريكي للمواطن، فالهوية الفعلية إذن هي المواطنة في إطار العولمة التي تقبل بتواصل مكونات أي مجتمع مع أي مكون لأي مجتمع اخر في إطار القانون.

وأسهب د. نمر بإيضاح نقاط التشابه والاختلاف في خطابي الهوية في أمريكا ومثيله في دول الربيع العربي، فقال إن الجدل العام حول هوية المجتمع الأمريكي يجري في إطار دولة مستقرة فيها للواسب (وحلفائهم اليهود) النفوذ الأكبر، في حين لا ترى غالبية نخبتها المثقفة ضيرا بسطوة أصحاب المال على النظام السياسي (بل إن منهم من يشرعنه)، مما يجعل معنى الحوار حول الهوية يدور بمعزل عن الجدل حول الأسس المنطقية والأخلاقية لبناء القوة في النظام السياسي، خلافا لطبيعة النقاش العام في مجتمعات الربيع العربي التي تثور فيها الجماهير على الاستبداد في الأنظمة السياسية التي قامت على أساس سطوة العسكر أوالعائلة أوالحزب الواحد التي فرضت سلطانها حتي في خارج أطر الدساتير والقوانين التي قامت هي بسنها.  

و استطرد د. نمرقائلا بأن الدول العربية الجديدة أمامها الفرصة التاريخية بأن تقدم نموذجا للحكم الحر العادل الذي يراعي كل مكونات التنوع الطائفية والقبلية والجهوية واللغوية والطبقية، ولعله من المجدي التفكير بإقامة مؤسسات وسن قوانين للعمل السياسي من أجل منع رجعة الاستبداد والتي طالما ارتبطت بالتمييزالإيجابي أو السلبي على خلفية أحد عناصر التنوع. ومن شأن مثل هذه المناذج السياسية الجديدة أن تسمح للأغلبيات الدينية والإثنية بممارسة حريتها في التعبير عن نفسها بما في ذلك قدرتها على صياغة الهوية الجمعية للأمة ولكن بدون أن تتمكن من استخدام المؤسسات الدستورية والقانونية لإقصاء الاخرين عن تدبير شؤون الدولة أو الإسهام أو الاستفادة العادلة من مواردها.

وأكد د. نمر أنه إذا ما توفرت الإرادة عند الطبقات السياسية فبالإمكن ضمان قدرة مثل هذه الأنظمة أن تعمل لتوظيف تواصل المكونات الإثنية والدينية والطائفية مع الخارج لمصالح دول المواطنة، وهذا يشبه ما يميل اليه النشطاء العرب والمسلمون الأمريكيون من مكان لجالياتهم، ولكنه أضاف بأن الجدل الأمريكي بالرغم من أهميته فقد يبدو ترفا فكريا إذا ما قورن بالتحدي الذي تطرحه موجات الربيع العربي والتي تتمثل ببناء نظام قوة قائم على إشراك جميع الثوار (وهم من مكونات متنوعة) في عملية إعادة صياغة المؤسسات الدستورية والقانونية والسياسية والاقتصادية والأمنية، بينما يقوم أصحاب المال الأمريكيون بدعم الأصوات المختلفة التي تبحث عن مكان لها في ظل نظام هيمنة الأغنياء على دولة فيها حقوق دستورية للمواطن.