22 نوفمبر, 2010
المنهجية الإسلامية: الاقتصاد نموذجاً
By host @ 09:00 ص :: 7510 Views :: آخر الأخبار, الأخبار, خبر بارز

في إطار التعاون العلمي المشترك بين مركز صالح كامل للاقتصاد الإسلامي بجامعة الأزهر ومركز الدراسات المعرفية بالقاهرة عقدت دورة تدريبية حول: «المنهجية الإسلامية: الاقتصاد نموذجاً»، في الفترة من 18-20 ذي القعدة 1431/ الموافق 26-28 أكتوبر 2010م بالتعاون بين مركز صالح عبد الله كامل  للاقتصاد الإسلامي- جامعة الأزهر ومركز الدراسات المعرفية.
وقد خصصت هذه الدورة للمتدربين من الحاصلين على درجتي الماجستير أو الدكتوراه والمهتمين بمجال البحث والدراسة في الاقتصاد الإسلامي.
تقدم للترشيح في هذه الدورة ما يقرب من سبعين متدرباً من مختلف التخصصات الشرعية والاقتصادية ذات الصلة بموضوع الدورة ومن مختلف الجنسيات المصرية والعربية وتم قبول خمسين منهم ممن تنطبق عليهم شروط الالتحاق بهذه الدورة. 
قد بدأت الدورة بجلسة افتتاحية وبحضور كل من السادة:
الأستاذ الدكتور/ أسامة محمد العبد ـ نائب رئيس الجامعة للدراسات العليا والبحوث رئيس الدورة.
الأستاذ الدكتور/ عبد الحميد أبو سليمان ـ المستشار العلمي لمركز الدراسات المعرفية بالقاهرة
الأستاذ الدكتور/ يوسف إبراهيم يوسف مدير مركز صالح كامل للاقتصاد الإسلامي بجامعة الأزهر.
الأستاذ الدكتور/ رفعت السيد العوضي ـ المستشار الأكاديمي لمركز الدراسات المعرفية بالقاهرة.
الأستاذ الدكتور/ ماهر أحمد مصطفى ـ عميد كلية التجارة «بنين» جامعة الأزهر
الأستاذ الدكتور/ جمال أحمد الشوادفي ـ وكيل كلية التجارة «بنين» جامعة الأزهر
هذا بالإضافة إلى العديد من أساتذة الجامعات والخبراء في مجال المنهجية الإسلامية بصفة عامة وفي الاقتصاد بصفة خاصة.
وفى الجلسة الافتتاحية تحدث الأستاذ الدكتور/ يوسف إبراهيم مدير مركز صالح كامل موجها الشكر باسم فضيلة أ. د/ رئيس الجامعة راعى الدورة، وباسم كل العاملين بالمركز لجميع السادة الحضور، وعلى رأسهم فضيلة أ.د/ أسامه العبد نائب رئيس جامعة الأزهر، والأستاذ الدكتور/ عبد الحميد أبو سليمان، وأ.د/ رفعت العوضي، وجميع العاملين بمركزي صالح كامل، والدراسات المعرفية، كما وجه الشكر إلى كل من شارك في الدورة، وأغلبهم من حملة الماجستير والدكتوراه، ومن مختلف الجامعات المصرية، ومن بعض الدول العربية.
كما تحدث الأستاذ الدكتور/ عبد الحميد أبو سليمان ـ مستشار مركز الدراسات المعرفية بالقاهرة، ورئيس المعهد العالمي للفكر الإسلامي، وبدأ حديثه موجهاً الشكر لقيادات جامعة الأزهر ومركز صالح كامل على التعاون في إنجاح هذه الدورة، ثم تابع حديثه مؤكداً على أهمية الدورة في تكوين عقلية بحثية إسلامية ناقدة متحررة واعية بمشاكل الأمة قادرة على حلها، وأكد على أن منهج التفكير أصلاً قضية أساسية، ولا مجال للتفكير في أي أمر بطريقة تؤتي ثمار جيدة قبل أن ينضبط منهج التفكير، ولذا فإن هذه الدورة لها أهميتين: الأول حول استخدام الاقتصاد الإسلامي في إدارة موارد الأرض استخداماً رشيداً يعود بالخير على الأمة والإنسانية جمعاء، والثاني: منهج التفكير السليم الذي يجعل النظر في هذه المجال وغيره يكون سليم بإذن الله. وتمنى للباحثين المشاركين التوفيق والنجاح.
كما تحدث أ.د/ أسامه العبد قائلاً: إن الاقتصاد الإسلامي من المعاملات التي تستهدف النمو والرخاء، فهو اقتصاد منهجي يقوم على دعائم ثابتة، وأسس وضوابط إسلامية، لا شرقية ولا غربية، ويختص بأن قواعده ربانية مأخوذة من القرآن الكريم والسنة النبوية، كما أن هدفه سد حاجات الفرد والجماعة وفق ما شرع الله تعالى، كما أن من خصائصه الثبات والمرونة، ويوازن بين المادية والروحية، ومصلحة الفرد والجماعة، ولا يجنح إلى الأوهام والخيال، فهو واقعي في مبادئه ومنهجه وأحكامه،ويتسم بضمان الكفاية، ووجوب التكافل، ويحل ما أحله الله ورسوله، ويحرم ما حرم الله ورسوله لتحقيق الأمن والاستقرار والعدل والكفاية للناس جميعا.
وأضاف قائلاً: إن موضوعات هذه الدورة تنبئ عن خير كثير، وعلم وفير، وهذه فرصة عظيمة لعقد مثل هذه الدورات العلمية والمنهجية في حرم الأزهر الشريف مقصد العلم والعلماء. 

 برنامج الدورة

 وقد تم تقسيم محاضرات الدورة إلى اثني عشرة محاضرة على النحو التالي:
اليوم الأول: واشتمل على المحاضرات التالية:
المحاضرة الأولى بعنوان: «مبادئ المنهجية الإسلامية» للأستاذ الدكتور/ عبد الحميد أبو سليمان ـ مستشار مركز الدراسات المعرفية بالقاهرة.
وبين فيها سيادته بعض الخصائص التي نشأ فيها الإسلام، حيث نشأ في قرية بعيدة عن أنظمة الحكم ومع ذلك كان الناس يتمتعون بالعزة والحرية، وكانت العقلية فيها شديدة الجهل من عبادة الأوثان ووأد البنات، كما أن الجهل بالقضايا الاقتصادية كان سائدا، وقد جاء الإسلام ليرسم السياسة الاقتصادية الداخلية والخارجية، وبدأ يتحول فيها الاقتصاد من الاقتصاد العيني إلى الاقتصاد النقدي، مع القضاء على الربا.
كما أكد سيادته أنه لابد من إتباع الرؤية القرآنية للكون، والتعلم من منهجها، فهي تعتمد على القراءتان الوجود والوحي،، فالمنهجية الإسلامية تعتمد في الأساس على القرآن الكريم، والسنة النبوية المطهرة، ومقاصدها، كما أنه لابد من ضرورة إتباع منهج سليم للتفكير بصفة أساسية، لأن منهج التفكير إذا كان خاطئا فإن النتيجة تكون خاطئة أيضاً.
وأكد سيادته أن التغيير لن يحدث في أرض الواقع لما وصل إليه حال أمتنا الإسلامية إلا إذا تحقق عنصران هما القناعة، والحرية باعتبارهما الشروط الأساسية للتغيير، وأشار إلى أنه من أبرز المشاكل التي تواجهنا في الفتوى والتشريع هي الانفصال عن القرآن الكريم وأصبح الاعتماد في الغالب على آراء الفقهاء السابقين، وهو خطأ فادح إذ تم نقل العصمة من الأنبياء لعموم الناس، كما أكد على ضرورة العودة إلى القرآن الكريم لأنه المصدر الأول للمنهجية الإسلامية.
المحاضرة الثانية بعنوان: «المنهجية الإسلامية» للأستاذ / مدحت ماهر الليثي ـ المدير التنفيذي لمركز الحضارة والدراسات السياسية
وتحدث سيادته عن أهمية المنهجية، وهى علم دراسة المناهج المستعملة في التفكير والبحث والسلوك، أي الطرق التي يسلكها الإنسان في تحقيق أهدافه، وعن أهمية الربط بين الإسلام والاقتصاد والسياسة، وأن العلاقة بينهم ليست عكسية كما يعتقد البعض، كما بين أن مصادر المنهجية متعددة، حيث إنها تشمل الوحي، وهو الأساس في التفكير العلمي، ويشمل القرآن الكريم وهو الأساس في المصادر، والسنة النبوية، وهى المصدر الثاني بعد القرآن الكريم في مصادر المنهجية الإسلامية، ويأتي بعد ذلك الإجماع والقياس، وكذلك العقل له دور كبير في هذا الأمر، فهو الذي يمكنه التدبر في الأشياء بحكمة.
كما أكد على ضرورة العودة إلى هذه المصادر التأسيسية، والتخلي عن تلك المصادر المستوردة من الخارج، إما نتيجة احتلال الغرب للعالم الإسلامي لفترات طويلة، أو بعد المسلمين عن مناهجهم ومصادرها، وغفلتهم غفلة طويلة أدت إلى سيطرة العالم الغربي الذي لم يغفل عن التطوير والتفكير في مناهج يسيطر بها على العالم.
كما أكد على أن التغيير لابد أن ينبع من داخل الإنسان المسلم، ويكون ذلك برجوعه إلى المصادر التشريعية الأصلية، ويبنى منها منهجا له، ولا ينتظر أن يأتي التغيير وحده دون بذل أي مجهود أو القيام بأية محاولة في سبيل ذلك.
والمحاضرة الثالثة بعنوان: «مفهوم المنهجية الإسلامية» للأستاذ الدكتور/ سيف عبد الفتاح ـ كلية الاقتصاد والعلوم السياسية ـ جامعة القاهرة، وقد بين سيادته أن البحث في دائرة بناء المنهجية الإسلامية هو نقلة معرفية مهمة، تنقل دائرة تعامل العقل السليم من دائرة التفكير واللغة الاتهامية والسجالية إلى دائرة التفكير بالظواهر والعوالم المختلفة، كما أنها منهجية تستلهم أصول التفكر والتدبر والنظر العميق والسير في الأرض، كما أن المنهاجية والمنهاج مفهومان متمايزان، فالمنهاجية هي علم دراسة الطرائق وتكوينها وبنائها وتفعيلها وتشغيلها، فهي منهج المناهج بهذا الاعتبار، أما المنهج أو المناهج ففيه مفردات هنا أو هناك، وأدوات ووسائل وقواعد وخطوات وإجراءات وهي من مكونات المنهاجية ولا تستوعبها بكافة كمالاتها. 
كما أكد سيادته على ضرورة التركيز على منهج التفكير النقدي، والذي يعد من مناهج التفكير النادرة بين الباحثين في مصر بالإضافة إلى مناهج التفكير الأخرى كمنهج التفكير المنظومي، والاستراتيجي والابتكاري والشبكي.
المحاضرة الرابعة بعنوان: «مدارس المنهجية الإسلامية» وكان مقررا لها الأستاذ الدكتور/ محمد عمارة، لكنه لظروف طارئة لم يتمكن من الحضور فتم عقد حلقة نقاشية من الأستاذ الدكتور/ يوسف إبراهيم يوسف والأستاذ الدكتور/ عبد الحميد أبو سليمان، والأستاذ الدكتور/ رفعت السيد العوضي والأستاذ الدكتور/ سيف عبد الفتاح، ودار الحوار بين السادة الأساتذة المحاضرين والمتدربين والرد على أسئلتهم واستفساراتهم حول موضوع الدورة.
واليوم الثاني: واشتمل على أربع محاضرات على النحو التالي:
المحاضرة الأولى بعنوان: «مفاهيم الاقتصاد الإسلامي» للأستاذ الدكتور/ يوسف إبراهيم يوسف مدير مركز صالح كامل للاقتصاد الإسلامي بجامعة الأزهر، وتناول فيها مفهوم إنفاق العفو، فبين أولاً أهمية فكرة إنفاق العفو، والعناية بها في برنامج التربية، والدراسات الفقهية، والدراسات الاقتصادية، ثم انتقل إلى بيان مفهوم العفو، والفرق بينه وبين الفضل والفائض الاقتصادي، كما بين مفهوم إنفاق العفو، وأن له مستويات ثلاثة، المستوى الأول: هو التخلي عن الملكية نهائيا، والمستوى الثاني: هو التخلي عن المنفعة مع بقاء ملكية العين، أما المستوى الثالث فإنه يتمثل في بقاء كل من ملكية العين والمنفعة مع تحقيق مصالح المسلمين، كما تناول نوع التكليف بإنفاق العفو، وهل هو فرض عين، أم فرض كفاية، ورجح فضيلته أنه فرض كفاية؛ إذ من المحتمل أن تفيض الإمكانيات عن الحاجات، ولو تسابق الناس إلى القيام بفروض الكفاية، فسيقوم بها السابقون إليها، ولا معنى لتكرار القيام بها، ما دام في جهد من سبق الكفاية والغناء، وعندها يكون من حق من نوى القيام بالتكليف وسعى إليه أن يحتفظ بإمكانياته، وأن يترقب سنوح فرصة أخرى في المجال نفسه أو في غيره، كي يسبق غيره إلى القيام بفرض كفاية آخر، يحقق به مصلحة للمسلمين، وهو في الحالين قد قام بالتكليف، ذلك أن في قيام من سبق قيام من الجميع، فقد كان الكل حريصين على القيام بما قام به من سبق.
كما بين أثر التكليف بإنفاق العفو على تعبئة الموارد المحلية، وأن ذلك يظهر من خلال حجم العفو المتولد لدى المسلم، والمسـارعة إلى استخدامه في الأغراض المختلـفة، كما أورد أمثلة لما يترتب على ذلـك في الواقع العملي.
كما تعرض لموضوع مكامن العفو، وأنه يكمن في ثلاثة مكامن هي: العفو من الجهد البشرى، والعفو من المال العيني، والعفو من المال النقدي، كما أورد أمثلة لما يمكن تقديمه من العفو في مكامنه الثلاث. وكيفيه تنظيم تقديمه إلى من يحتاجه.
كما تناول توجيه العفو، وأهمية ذلك، وما هي المؤسسات التي يقع على عاتقها توجيه العفو، وبين أنها تتمثل في الدولة، والبنوك الإسلامية، والمؤسسات الاجتماعية، التي بدورها تشمل النقابات المهنية، والاتحادات الطلابية، والأحزاب السياسية، ولجان حقوق الإنسان، والجمعيات الخيرية
والمحاضرة الثانية كانت بعنوان مفاهيم قرآنية اقتصادية للدكتور رفعت السيد العوضي أستاذ الاقتصاد كلية التجارة – جامعة الأزهر، والمستشار الأكاديمي لمركز الدراسات المعرفية بالقاهرة، وقد بين سيادته أن موضوع المفاهيم ظهرت فيه دراسات عامة يمكن توظيفها في بعض التخصصات العلمية، كما ظهرت فيه دراسات متخصصة في بعض العلوم، ولكن الاقتصاد لم تظهر فيه دراسات عن المفاهيم القرآنية الاقتصادية، وأن هذا البحث محاولة في هذا المجال، أي في المفاهيم الاقتصادية في القرآن الكريم.
وبين أن القرآن الكريم ينبه إلى ضرورة إعطاء أهمية لاستخدام الكلمة سواء كانت مفهوماً أو غيره؛ حيث يقول الله سبحانه وتعالى: }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا وَقُولُواْ انظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ{ (البقرة:104).
كما أن المسلمين قد اهتموا بالثقافة المفاهيمية وظهر ذلك من خلال اهتمامهم بدراسات اللغة العربية وتأليف كتب في جميع المجالات الخاصة بها، وأن أهمية المفهوم تنبع من أنه يحمل خلاصة الأفكار والنظريات والفلسفات لحضارة معينة، أو لاتجاه فكرى معين، ولذلك فإنه أول ما يتأثر بعملية الصراع الفكري والثقافي، وأن الأمة قد تتناسى خصوصياتها الفكرية وتخلط بين ما هو مشترك إنساني كالطبيعيات والتجريبيات وما هو من الخصوصيات فتتساهل باستعارة المفاهيم من غيرها حتى تفقد خصوصياتها الشرعية والمنهاجية المتعلقة بها، كما أن المفاهيم المستوردة قد تؤدى إلى الركود الفكري أو تكييفه بحيث يتوافق مع هذه الثقافة المستوردة. كما أنه توجد علاقة لزومية بين التعرف على المصطلح والتعرف على المفهوم
وقد قسم بحثه إلى ثلاثة مباحث، قدم في المبحث الأول نموذجاً لمفهوم قرآني في الفلسفة الاقتصادية: هو مفهوم الوسطية، وفي المبحث الثاني: نموذجاً لمفهوم قرآني اقتصادي في الإنفاق: هو مفهوم قواما، أما المبحث الثالث: فقد قدم فيه نموذجاً لمفاهيم قرآنية اقتصادية في إطار موضوع: المفاهيم القرآنية الاقتصادية في قصة نبي الله شعيب عليه السلام
وفى مفهوم الوسطية بين سيادته أن الفلسفة الاقتصادية لأية عقيدة دينية أو غير دينية تمثل الرؤية الكلية لهذه العقيدة في الاقتصاد، وأن العقيدة الإسلامية القائمة على الوسطية تنتج فلسفة اقتصادية وسطية. وهذه الفلسفة الاقتصادية الوسطية تحمل أو تتمتع بالخصائص التالية وهى: العدل، والاعتدال، والأخير، والأفضل، والبعد عن الغلو والتقصير، والكمال، والخير، والأحسن، والأرجح في القبول العقلي، والأرجح في الرأي، وهذه الفلسفة هي التي تشكل النظام الاقتصادي الإسلامي وتحدد فعالياته، وهى التي على أساسها تصاغ النظريات الاقتصادية الإسلامية التي تفسر السلوك الاقتصادي للوحدات الفاعلة في الاقتصاد. وتفعيل خصائص هذه الفلسفة في النظام الاقتصادي الإسلامي يجعل هذا النظام يتمتع هو أيضا بالخصائص التالية.
الخاصية الأولى: أنه نظام الوسطية، وبالإحالة إلى النظم الاقتصادية المعاصرة فإن هذا النظام لا يعتبر الحرية المطلقة ولا يعتبر التدخل المطلق.
الخاصية الثانية: أنه النظام الذي يستهدف تحقيق العدالة الاقتصادية بطريقة مباشرة ولا يترك تحقيق هذه العدالة للآلية التي يتحرك بها الاقتصاد أو تتفاعل بها المتغيرات الاقتصادية.
الخاصية الثالثة: أنه نظام يتأسس على تحقيق الخير لجميع فئات المجتمع. وهذا على المستوى الداخلي، كما يمتد مفهوم الجميع ليشمل الإنسان حيثما وجد وأياً كانت انتماءاته. أما الخير فيدخل فيه تحقيق العلاقة الصحيحة بين الإنسان والإنسان وكذلك بين الإنسان والبيئة.
الخاصية الرابعة: أنه نظام يتمتع بالكمال المطلق وذلك لاستيعابه لجميع ما يلزم أن يتوافر في النظام أو يعمل عليه النظام.
الخاصية الخامسة: أنه نظام تقبله العقول وتتفق حوله الآراء وذلك لعدالته وشموله وموضوعيته وخيريته.
وفى عرض مفهوم قواما ذكر سيادته أن الدلالات الاقتصادية التي يحملها هذا المفهوم تتمثل في الآتي: العدل في الإنفاق، والاستقامة في الإنفاق، وما تقوم به الحاجة لا يفضل عنها ولا ينقص، ووضع النفقة في مواضعها الصحيحة.  
والمحاضرة الثالثة كانت بعنوان: « الدليل الإرشادي للمصطلحات الاقتصادية في الفكر الاقتصادي الإسلامي» للأستاذ الدكتور/ عادل حميد يعقوب، والأستاذ الدكتور/ محمد عيد حسونة ـ كلية التجارة «بنين» جامعة الأزهر.
وقد وضح من خلال هذه المحاضرة أن دراسة المصطلحات والمفاهيم الأساسية للاقتصاد الإسلامي تعد المدخل الرئيسي لفهم ما يتعلق بهذا التخصص العلمي، واستيعابه بشكل مبسط وبمنهجية علمية دقيقة ومنظمة، فغالبا ما تركز جميع الدراسات والبحوث العلمية في جميع التخصصات المختلفة علي التوصيف الدقيق لهذه المصطلحات وتلك المفاهيم المستخدمة فيها، ولا يمكن تخيل وجود دراسة أو بحث علمي بدون هذه المصطلحات، وأن من أهم الأسباب الرئيسية لاستخدام تلك المصطلحات في الدراسات والبحوث العلمية إنما يرجع بالدرجة الأولي إلي أن هذه المصطلحات تعطي الفائدة المرجوة منها وذلك من خلال توضيح بعض الأمور الغامضة وغير المفهومة لمن يريد أن يقرأ أو يفهم بعض العلوم وخاصة ما يتعلق بعلم الاقتصاد في الفكر الإسلامي ولاسيما في تلك الفترة التي أصبح العالم فيها يعاني من كثير من المشكلات، ومنها علي سبيل المثال الأزمة المالية العالمية التي اتجهت بسببها أنظار حكومات بعض الدول إلي البحث عن بديل أو حلول جديدة، مما يجعل لهذه المصطلحات دورا بارزا لفهم ما يتعلق بالاقتصاد الإسلامي، كما أن هذه المصطلحات تساهم ـ بدرجة كبيرة ـ في تجنيب الباحثين الخلط بين هذه المصطلحات وما سواها من مصطلحات في الفكر الاقتصادي الوضعي.
كما تناولت المحاضرة عرض المصطلحات الاقتصادية وخاصة الإسلامية من خلال استعراض لنماذج مختلفة من معاجم المصطلحات الاقتصادية والإسلامية وكذلك مصطلحات الفقه المالي والمصطلحات الاقتصادية في القرآن الكريم، وذلك بهدف تحديد المعني الدقيق، والمقصود بهذه المصطلحات وتوضيح أهم الفروق بينها وبين المفاهيم، وكذلك تبسيط وتقريب المعني بشكل مبسط وأسلوب علمي دقيق ومنظم بحيث يمكن للباحثين في مجال الاقتصاد الإسلامي أو العلوم المتشابكة معه أن يسترشدوا به عند قيامهم بإعداد الدراسات والبحوث في هذا المجال، وتم إعداد هذا الدليل بناء علي الدراسات الوصفية والمسحية لمعاجم المصطلحات وكذلك الكشافات الاقتصادية والأبحاث والكتب ذات الصلة، مثل: الكشاف الاقتصادي لآيات القرآن الكريم، ومعجم مصطلحات الفقه المالي المعاصر، ومعجم المصطلحات الاقتصادية في لغة الفقهاء، والموسوعة الاقتصادية، ومعجم المصطلحات الاقتصادية والإسلامية، كما اعتمدت الدراسة علي المنهج التحليلي كمنهج مهم في الدراسة. وتبين من خلال عرض ما يتعلق ببعض المعاجم والكشافات الاقتصادية مدي أهميتها لأي باحث من الباحثين في مجال العلوم الاقتصادية في الفكر الاقتصادي الإسلامي والتقليدي، وأنها بمثابة مدخل أساسي لتيسير ما يتعلق بدراسة وبحث كل منهم، حيث لا يمكن تناول أي بحث بالدراسة والتحليل دون اللجوء لهذه المصطلحات والتي يصدرها الباحث في مقدمه بحثه.
أما المحاضرة الرابعة فكانت بعنوان: «النماذج التفسيرية في الاقتصاد الإسلامي» للأستاذ الدكتور/ فياض عبد المنعم حسانين ـ الأستاذ بكلية التجارة تفهنا الأشراف ـ جامعة الأزهر.
وقد استهدفت هذه المحاضرة تقديم نموذج تفسيري إسلامي في الاقتصاد وذلك على مستوى تطور النظام الاقتصادي، وعلى مستوى تطور المتغيرات الاقتصادية، وتم استخرج هذا النموذج من الفلسفة الفكرية للإسلام عن الحياة، ونظرته إلى الكون والوجود وعقائده وأفكاره لما بعد الطبيعة، ونظرياته الاجتماعية والعمرانية، وفكرته عن الأخلاق، وأسلوبه ومنهجه في الحياة، كما عرض رؤية المفكرين والعلماء المسلمين السابقين في هذا الموضوع، وإلقاء الضوء على مساهماتهم في هذا المجال، وتأتي أهمية تقديم نموذج تفسيري إسلامي في الاقتصاد من عدة عوامل، منها:
1-لا توجد دراسة سابقة عن هذا الموضوع.
2-النموذج التفسيري موضوع شديد التعقيد، لارتباطه بالمنهجية.
3-خصوصية النموذج التفسيري الإسلامي، مما يقتضي الدخول إلى منطقة الاشتباك بين النموذج الإسلامي والنموذج العلماني، والدقة في استعمال المصطلحات المعبأة بمضامين معرفية.
وهذه الخصوصية تبرز أصالة النموذج التفسيري الإسلامي، بحيث يكون بالفعل نتاجاً صحيحاً للنموذج المعرفي الإسلامي (الرؤية الكلية)، وليس عرضاً باهتاً للنموذج التفسيري العلماني، وهذا يحدث في بعض الأعمال التي تجري تغييراً شكلياً على هذا النموذج، وتطلق عليه صفة الإسلامي.
4-القرآن المصدر الأول للوحي الإلهي يدعو إلى التأمل في الواقع وفي التاريخ والمجتمع الإنساني وحركته وصيروراته، يفرض تحصيل سنن الله الحاكمة لها، واستنباط أسبابها، وقد حض القرآن المؤمنين على ذلك، لأنهم أعمق بصائر بسبب ما تحدثه آداب الإيمان وأثرها في نفوسهم.
5-لا يكتفي القرآن بالحض على إدراك سنن الله في تغيير المجتمعات ومصائر الأقوام، بل أيضاً يحفل القرآن بالعديد من الأسس التي تمثل جوهر النموذج التفسيري في الظواهر الإنسانية والمجتمعات ومنها الجانب الاقتصادي، مثال: }ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ{ [الروم: 41]، وقوله: }وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ{ [الروم: 36].
6- في التفسير الإسلامي الاقتصادي، يتزامن جنباً إلى جنب العوامل الإيمانية والعوامل المادية، فقد جعل الله سبحانه الالتزام الإيمان سبباً للرخاء المادي، مع عدم إهمال الأخذ بالأسباب التي أقامها الله سبحانه أسباباً لمسببات.
كما تتناول التعريف بالنموذج الاقتصادي وتطوره، وأنواعه، ودوره، وعلاقته بالنظرية الاقتصادية، وتظهر لنا إدراك الاقتصاديين لأهمية دور النموذج، كما تتناول موضوع السنن الإلهية وعلاقتها بالنموذج الاقتصادي الإسلامي، والنماذج التفسيرية في الاقتصاد الوضعي، ثم تقدم نموذجاً تفسيرياً إسلامياً للاقتصاد.
وأشار البحث إلى أن النموذج يعد تمثيلا للعلاقات الأساسية للظاهرة الاقتصادية، وهو طريقة للتفكير العلمي في فهم وتفسير الظواهر، وهو أيضاً أداة تحليلية للاقتصادي، وهذا التمثيل يقوم على وضع فروض عن العلاقات المحتملة بين العوامل المختلفة للظاهرة، وهذا الافتراض في العلاقات ينبغي أن يكون مقبولاً وله أساس منطقي، أي أنه يجب أن تتوافر مجموعة من الشروط الهامة في النماذج الاقتصادية من أهمها:
إمكانية تطبيق النموذج لحالات عديدة وليس لحالة خاصة.
2-    منطقية النموذج.
وتستخدم الرياضيات للتعبير عن منطقية النموذج الاقتصادي، والأسلوب الرياضي الذي يمكن استخدامه في النماذج الاقتصادية قد يكون في شكل بياني (هندسي) أو في صورة معادلات جبرية، والنموذج الاقتصادي الهندسي يوفر بيان وشرح النموذج بطريقة سهلة، ولكن يعاب عليها أنها محددة في شكل اتجاهين أو ثلاثة اتجاهات، وهذا يحد من المتغيرات التي يمكن دراستها في أي وقت من الأوقات، كما يمكن أن تكون النماذج جبرية، وتعتبر النماذج جبرية ذات فائدة كبرى، لأنها ليست محددة في الاتجاهات كما هو الحال في النماذج الهندسية، فعن طريقها يمكن دراسة عوامل عديدة مؤثرة في الظاهرة، كما يمكن استخدامها بواسطة الحاسب الآلي، مما يعطي دقة أكبر وإمكانيات أكبر، كما أن النماذج الاقتصادية يمكن استخدامها للتعبير عن الاقتصاد الواقعي، والاقتصاد المعياري، والاقتصاد الواقعي أو الايجابي هو دراسة السلوك الاقتصادي دون اللجوء إلى إصدار توصيات لما يجب أن يكون، وهو محاولة للإجابة عن أسئلة وصفية كدراسة آثر ارتفاع أسعار الحديد على المساكن، والاقتصاد المعياري هو الذي يبحث فيما يجب أن يكون، حسب اعتقاد الباحث.
ويقوم النموذج الإسلامي في الاقتصاد وفي غيره من الجوانب الحياتية على الحق، على مستوى العقيدة، وعلى مستوى الشريعة، قال تعالى: }وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ{ [الأحزاب: 4]، ولهذا يقوم التشريع الإسلامي على الاعتبار بحقائق الأشياء.
كما يهدف البحث إلى الكشف عن النموذج التفسيري الإسلامي في الاقتصاد، على مستوى تطور النظام الاقتصادي، وعلى مستوى المتغيرات الاقتصادية؛ حيث يلاحظ - أنه بعد مرور فترة نحو أربعة قرون من تقديم الدراسات المتخصصة في الاقتصاد الإسلامي - غياب لطرح نموذج تفسيري إسلامي في الاقتصاد، بالرغم من الأهمية الملحوظة لهذه النموذج، ويمكن توضيح الإطار العام لاستخلاص هذا النموذج من خلال:
1-    النموذج المعرفي الإسلامي.
2-    منظومة القيم.
3-    منظومة السنن الإلهية.
4-    النموذج التفسيري الإسلامي في الاقتصاد.
وبالنسبة لليوم الثالث والأخير فقد اشتمل على ثلاث محاضرات على النحو الآتي:
المحاضرة الأولى بعنوان: «المنهجية في الاقتصاد الإسلامي» للأستاذ الدكتور/ عبد الرحمن أحمد يسرى ـ الأستاذ بكلية التجارة ـ جامعة الإسكندرية، وقد بين في محاضرته أن الظروف المعاصرة التي تشهد إعادة إحياء الفكر الإسلامي في مجال الاقتصاد قد تغيرت كثيراً عما مضي في القرون الوسيطة ولابد من مواجهتها. كما أن لدينا علم اقتصاد وضعي قائم ينتمي إلى مدارس فكرية ذات توجهات مذهبية أو فلسفية غير إسلامية، وهو علم متقدم من حيث منهاجية البحث والأدوات التحليلية والثروة المعرفية التي نمت فيه، فهل يمكن الاستفادة منه؟ وإلى أي مدى ؟ وفى حالة الاستفادة منه ما هو المنهج؟ أو كيف يمكن ممارسة عملية الأخذ أو الترك منه؟ والأهم من ذلك والأكثر خطورة يتمثل في فهم طبيعة العلاقة بين علم الاقتصاد الإسلامي الحديث وبين الأصول الشرعية والقيم العقدية الإسلامية وفي كيفية إقامة هذه العلاقة على نهج علمي ثابت في عملية البحث والتحليل.
كما بين أن علم الاقتصاد الإسلامي قد نما من حيث ما تعرضت الظواهر أو المشكلات الاقتصادية في المجتمعات الإسلامية إلى جهود ذهنية من قبل أهل الفقه والعلم لأجل تصنيفها وتمحيصها ومحاولة التعرف على أسبابها وتحديد طبيعة العلاقات القائمة فيما بينها.
كما أوضح أن المنهجية العلمية تستلزم التوصل إلى تعريف لعلم الاقتصاد الإسلامي، وأن هناك تعاريف عديدة لعلم الاقتصاد الإسلامي يظهر في بعضها اهتماماً بالعمل والإنتاج أو بعمارة الأرض أو بالعدالة الاجتماعية، وفي بعضها اتفاق واضح مع علم الاقتصاد الوضعي على جوهر مشكلة "الندرة النسبية" Relative Scarcity  مع اشتراط الالتزام بالشريعة الإسلامية أو بالإطار الأخلاقي الإسلامي. وفي عديد من الحالات استخدمت كلمات ذات معان مخصوصة مشتقة من القرآن والحديث بدلاً من كلمات شائعة في الاقتصاد الوضعي لتأكيد الانتماء الإسلامي.. مثال ذلك استخدام بعض التعاريف للفظ "الطيبات من الرزق" بدلاً من "السلع والخدمات" أو لفظ "الرزق الحلال" بدلاً من "الدخل" أو لفظ "استعمار الأرض" بدلاً من "استغلال الموارد الطبيعية". ومنهجياً لابد من توضيح معنى أي كلمة إضافية تستخدم في تركيب التعريف الاشتراطي.. ولذلك فإن التعاريف التي تدخل ألفاظاً ذات معان إسلامية لابد لها من شرح إضافي حتى تتضح للقارئ المعاصر..
كما يرى أنه من الجهة المنهجية فإن الالتزام بجوهر الندرة النسبية ضروري في أي تعريف حديث للاقتصاد الإسلامي.. وهذا على سبيل التأكيد ليس تقليداً أو إتباعاً لما سار عليه الأمر في علم الاقتصاد الوضعي، ولكن اقتناعاً بأن المخالفة هنا تبعدنا عن الحكمة، وهي ضالة المؤمن. فالمخالفة لن تحرمنا فقط من ثمرة ثمينة من ثمرات تطور الفكر العلمي البحت في الاقتصاد بل أيضاً تبعدنا عن معان واردة في كتاب الله العزيز.
وبناء على ذلك فقد عرف علم الاقتصاد بأنه "العلم الذي يبحث في أفضل استخدام ممكن للموارد الاقتصادية المتاحة لإنتاج أقصى قدر ممكن من السلع والخدمات التي يحتاجها المجتمع وتوزيع الناتج وتنميته في إطار الشريعة الإسلامية ومقاصدها".
وبين أن الصفة الإسلامية التي تلحق بعلم الاقتصاد الذي نبحث في منهجه العلمي تعني بالضرورة التزامه بالإطار الشرعي والعقدي الإسلامي ولكنها لا تنفي أن يكون بينه وبين علم الاقتصاد الوضعي أمور مشتركة، كما أن المنهج العلمي الصحيح يستلزم من الباحثين القيام بترجمة معاني الأصول الشرعية والقيم أو الدوافع العقدية إلى مقدمات أساسية Postulates أو مُسلمات Axioms ذات علاقة مباشرة بالمشكلة أو الظاهرة التي نبحثها، ومن ثم يصبح تحليلنا لهذه المشكلة أو الظاهرة ملتزماً بها. بعبارة أخرى فإن عملنا هنا سوف ينصب على بناء "المقدمات الأساسية" أو "المسلمات" والتي ستكون بمثابة حلقات وسيطة بين الأصول الشرعية والقيم العقدية التي علينا الالتزام بها كما هي وبين التحليل والبحث الذي علينا أن ننطلق فيهما وفقاً لما لدينا من قدرات عقلية وخبرات عملية في مجال ما نقوم بتحليله وبحثه، وعلينا أن نعطي بعض الأمثلة عند تحليل سلوك المستهلك المسلم، وسوف نجد بعض الأمور واضحة تماماً لا تحتاج إلى اجتهاد. فالمحرمات من الأطعمة أو الأشربة أو الألبسة يجب التسليم باستبعادها من مجموعة السلع التي سوف ينفق عليها المستهلك دخله. ولكن بعض الأمور الأخرى يجب الاجتهاد فيها. مثلاً، السلوك الاستهلاكي الرشيد للمسلم يجب أن يكون بين حدي الإسراف والتقتير لقوله تعالى: }وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا{ (الفرقان: 67). علينا هنا أن نجتهد في وضع مفاهيم اقتصادية واضحة لكل من الإسراف والتقتير حتى نعتمد على هذه المفاهيم في اقتراح مقدمات أو مسلمات نلتزم بها في تحليل السلوك الاستهلاكي الرشيد للمسلم. مثال آخر. في مجال التجارة والتمويل نأخذ تحريم الربا أمراً مسلماً به لا جدال فيه لقوله تعالى: }الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا{ (البقرة: 275) ولكن حتى لا نترك مجالاً لمن يقول إن الربا هو كذا وليس بكذا علينا أن نضع مفهوماً اقتصادياً واضحاً يأخذ في الاعتبار الأشكال الواقعية للربا، ونضمنه في المسلمات أو المقدمات الأساسية التي سوف نلتزم بها في تحليل مشكلات التمويل والمعاملات النقدية.
والمحاضرة الثانية كانت بعنوان: «المنهجية في الاقتصاد الإسلامي» للأستاذ الدكتور/ شوقي أحمد دنيا ـ الأستاذ بكلية التجارة ـ تفهنا الأشراف ـ جامعة الأزهر
وقد بين في محاضرته أنه عندما هبت ريح صحوة الاقتصاد الإسلامي ليمارس مهامه الكبرى في حياة المسلمين خاصة، وحياة العالم كله عامة، تملك العديد من الباحثين العاطفة الدينية المشبوبة الدافعة للدخول في لجة هذا العمل العلمي المتميز. واجتذبت الحلبة الكثير والكثير من شيوخ الباحثين وشبابهم، منهم من كانت خلفيته اقتصادية وضعية، ومنهم من كانت خلفيته شرعية، وبخاصة منها الفقهية، ومنهم من توفر له قدر من هذه وتلك، وبعضهم لم يتوفر لديه الحد الأدنى لا من هذا ولا من ذاك. وظهر نتاج علمي في هذا الحقل، بعضه متميز، وبعضه جيد، وبعضه ضعيف. تبعاً لتفاوت قدرات العاملين في هذا الميدان. ويوماً بعد يوم أخذت تظهر الحاجة الملحة إلى ضرورة وضع إطار من المبادئ للبحث في هذا الفرع، ورسم شيء من الضوابط للتعامل المنهجي السليم، حتى يثمر العمل بناءاً معرفياً ذا هوية معينة، وليس مجرد ركام من المعارف والمعلومات لا يكوِّن بناء.
كما بين أنه من جوانب الصعوبة في تحقيق هذا البناء المنشود العمل على غير مثال سابق، وعدم الوعي الكافي بأن البحث العلمي في هذا المجال مغاير للبحث العلمي في مجالات معرفية أخرى عديدة. وذلك لأننا ننشئ علماً، بينما هناك نحن نبحث داخل علم قائم معروف موضوعه معروفة مسائله، معروف منهاجه، بالإضافة إلى عدم الوعي الكافي لدى الكثير بهوية هذا العلم المنشود وحقيقته وطبيعته، فهل هو علم شرعي على غرار بقية العلوم الشرعية المعروفة؟ ومن ثم يتبع البحث فيه منهجية البحث في الشرعية؟ أم هو علم اقتصادي على شاكلة علم الاقتصاد الوضعي القائم، ومن ثم يستفيد منه موضوعياً ومنهجياً؟ أم ماذا يكون؟ وأياً كانت الصعوبات فلقد بات التعرف على منهاجية البحث في هذا الحقل، أو حتى بعض ملامح ومقومات هذه المنهجية ضرورة ملحة من أجل ترشيد مسيرة البحث في هذا المجال، حتى يثمر ثمرته المرجوة نظرياً وتطبيقياً.
كما بين أن علم الاقتصاد الإسلامي علم خادم لغيره ومخدوم من غيره، ولذا فإن المطلوب معرفة منهجية التعامل مع هذه العلوم الخادمة، وهى لا تخرج عن بعض العلوم الشرعية وكذلك علم الاقتصاد الوضعي، بالإضافة إلى التعرف على منهجية التعامل مع الواقع القائم، والذي يحتاج إليه البحث في الاقتصاد الإسلامي، وعلم الاقتصاد بحكم موضوعه يدخل في نطاق العادات أكثر من دخوله في نطاق العبادات. فهو يتعامل مع السلوك والنشاط الاقتصادي، لا من حيث حكمه الشرعي، وإنما من حيث تنظيمه وممارسته. ومجالات العادات في نظر الإسلام فيها مجال رحب للإرادة البشرية الحرة، تمارس فيها ما تراه في ظل ضوابط شرعية كلية وعامة، عكس مجالات العبادات، فهي محكومة في كل جوانبها بترتيبات شرعية، وبحكم كون نطاق علم الاقتصاد الإسلامي يتسع لجوانب مذهبية وجوانب سياسية وجوانب نظرية تحليلية، فهو علم يكيف على أنه علم نقلى عقلي.
كما أن نطاق علم الاقتصاد الإسلامي ومجالات البحث فيه يمكن تنويعها إلى ثلاثة، وهي:
- دراسة السلوك الاقتصادي من حيث هو، وهي دراسة نظرية وصفية تفسيرية، فهي تصف السلوك القائم وتفسره وتستخرج ما فيه من علاقات تشكل في النهاية قوانين ونظريات. وتسمى بالدراسة الوضعية (Positive).
- دراسة السلوك الاقتصادي من حيث منطلقاته ومسلماته ومرتكزاته وما وراءه من قيم، وهي دراسة معيارية مذهبية تتعلق بالمذهب الاقتصادي وما يشتق منه من نظام أو أنظمة.
- دراسة السلوك الاقتصادي من حيث ما ينبغي أن يكون، وهي أيضاً في مجملها دراسة معيارية (Normative).
وعلى الباحث في الاقتصاد الإسلامي اجتياز عدة خطوات ومراحل منهجية حتى يحقق بحثه هدفه المنشود ومنها:
دراسة المسألة من الناحية النقلية. فإذا كنا مثلاً بصدد دراسة نظرية سلوك المستهلك أو نظرية الاستهلاك. فعلينا أن نبدأ بدراسة هذه المسألة في ضوء الهداية الإسلامية. وعلينا أن نحدد أطرها وسماتها من خلال ما قدمه الإسلام من هدايات بشأنها. وسوف توصلنا هذه الخطوة إلى بعض المقولات الاقتصادية الوضعية والمعيارية معاً. وسوف تمثل هذه المقولات همزة وصل بين الأصول والقواعد الشرعية وبين المقولات الاقتصادية المحضة النظرية. وتمثل في نفس الوقت مسلمات أو منطلقات للباحث.
 النظر في الواقع، فنتعرف على السلوك الاقتصادي الاستهلاكي للإنسان أو للمسلم من خلال ما هو كائن بالفعل ما هو؟ وما هي مواصفات استهلاكه من حيث الكم والنوع؟ وما هي محددات هذا الأسلوب واقعيا؟. وسواء عليه أبدأ بهذه الدراسة الوضعية ثم ثنى بالدراسة المعيارية أو اتبع العكس.
 الخطوة التالية أن نجرى مقابلة بين السلوك الاستهلاكي كما يجب أو ينبغي أن يكون، والذي تعرفنا عليه في الخطوة الأولى والسلوك الاستهلاكي كما هو واقع وكائن، كما تعرفنا عليه في الخطوة الثانية. ثم نحدد جوانب الاختلاف إن كان هناك اختلاف. وإلا انطبق المرغوب فيه على الكائن وانتهت المهمة.
 بفرض وجود اختلاف علينا أن تتعرف من خلال البحث على عوامل هذا الاختلاف، وكيفية التغلب عليها. حتى ينطبق الذي ينبغي على الواقع فعلاً، أو يقترب منه على الأقل. أو بعبارة أخرى حتى لا يصير هنالك فرق كبير بين الكائن وما ينبغي أن يكون. وبهذا يكون علم الاقتصاد الإسلامي بحق علماً نافعاً للإنسان في حياته، ويكون شأنه شأن الطبيب الذي يصف حال المريض، ويبين له أسباب مرضه، ثم يبين له كيفية علاجه. وبذلك يشفى المريض إن شاء الله.
أما المحاضرة الثالثة فكانت بعنوان: «المنهجية في الاقتصاد الإسلامي» للأستاذ الدكتور/ شعبان فهمي عبد العزيز ـ أستاذ ورئيس قسم الاقتصاد ـ كلية التجارة «بنين» جامعة الأزهر
وقد بين فيها أن البحث في المنهجية العلمية للاقتصاد الإسلامي يكتسب أهمية خاصة لأسباب عديدة من أهمها التعرف على ذاتية الاقتصاد الإسلامي وخصائصه التي تميزه عن الاقتصاد الوضعي على روافده أو مدارسه، وكذلك المساعدة في إثراء الفكر الاقتصادي الإسلامي بصفة عامة والبحث العلمي في مجال الاقتصاد الإسلامي بصفة خاصة سواء على المستوى الفلسفي (الأيديولوجي) أو على المستوى العلمي (مستوى النظام)، وفى هذا الصدد يلاحظ أن في الساحة الفكرية – بالنسبة للفكر الاقتصادي الإسلامي – إسهامات فكرية يمكن وصفها بالجدية والأصالة العلمية نتيجة لالتزام من صاغوها بالمنهجية العلمية في بنائها، لكن هناك – أيضا- إسهامات فكرية يمكن وصفها بالسطحية نتيجة لعدم وضوح منهجية البحث في الاقتصاد الإسلامي في أذهان كتابها.
كما بين أن منهجية البحث في المذهب الاقتصادي للإسلام تختلف عن المنهجيات المتبعة في المذاهب الاقتصادية الوضعية، ولذا فإنها تقتضي عناصر عديدة من أهمها:
1- دراية الباحث – بشكل تام – بالمذهب الاقتصادي للإسلام بصفة عامة , وبصفة خاصة بما له صلة بنقطة أو موضوع بحثه من موضوعات علم الاقتصاد الإسلامي مثل ظاهرة الأسعار وعلاقتها بقوى العرض والطلب سواء على المستوى الجزئي أو المستوى الكلي أو النقود ومدى ثبات قوتها الشرائية وعلاقة ذلك بمبدأ الوفرة النسبية أو الندرة النسبية للموارد المتاحة.
2- إتباع المناهج العلمية في رصد الظاهرة الاقتصادية مثل المنهج الاستنباطي حينما ينتقل الباحث من الجزء إلى الكل أو المنهج الاستقرائي حينما ينتقل من الكل إلى الجزء.
3- كون الباحث على دراية بالفرق بين التحليل الساكن المقارن والتحليل الحركي المقارن. فتحليل السكون يقتضي ثبات الحكم أو القاعدة الاقتصادية بافتراض ثبات كل العوامل المؤثرة في الظاهرة عدا المتغير موضع التحليل. والتحليل الحركي يأخذ في الحسبان العوامل الأخرى المؤثرة في الظاهرة على مسار الزمن، وبالتالي فالقاعدة الاقتصادية التي يصل إليها – بعد اختبارها – قد تكون ذات مصداقية مع مسار الزمن.
وبصفة عامة يمكن القول إن هناك تشابها كبيرا فيما يتعلق بمنهجية البحث في علم الاقتصاد الوضعي وعلم الاقتصاد الإسلامي إلا ما سبق التنويه عنه في النقطة الأولى.
وبعد انتهاء المحاضرات التدريبية جاءت الجلسة الختامية للدورة والتي حضرها كل من:
الأستاذ الدكتور/ يوسف إبراهيم يوسف مدير مركز صالح كامل للاقتصاد الإسلامي بجامعة الأزهر.
الأستاذ الدكتور/ عبد الحميد أبو سليمان ـ مستشار مركز الدراسات المعرفية بالقاهرة
الأستاذ الدكتور/ رفعت السيد العوضي ـ المستشار الأكاديمي لمركز الدراسات المعرفية بالقاهرة.
وقد أثنوا فيها على عمل القائمين على الدورة ومجهوداتهم في سبيل نجاح هذه الدورة وتحقيق أهدافها.
وأعقب ذلك توزيع شهادات تقديرية على السادة الأساتذة المحاضرين تقديراً لما بذلوه من جهد وعمل في هذه الدورة، كما تم توزيع شهادات باجتياز الدورة على الأخوة المتدربين بعد استيفاء النماذج التدريبية الخاصة بكل متدرب، كما تم منحهم مجموعة من إصدارات مركز صالح كامل ومركز الدراسات المعرفية بالقاهرة ذات الصلة بموضوع الدورة حتى تكون عونا لهم على مزيد من البحث والدراسة، مع أمنيات الجميع بالتواصل والتفاعل مع القضايا الاقتصادية والمنهجية الإسلامية.
 
 
 


إعداد د. هشام محمد القاضي، مدرس الفقه المقارن بمركز صالح عبد الله كامل للاقتصاد الإسلامي.