04 نوفمبر, 2010
مستقبل الدين في عصر العولمة
By host @ 09:41 ص :: 6029 Views :: آخر الأخبار, الأخبار, خبر بارز

مؤتمر مستقبل الدين في عصر العولمة

 في نشاطٍ مشترك، نظمت جمعية علماء الاجتماع المسلمين في بريطانيا وكلية الدراسات الإسلامية في سراييفو، عاصمة دولة البوسنة والهرسك، مع المعهد العالمي للفكر الإسلامي، مؤتمراً دولياً جامعاً في العاصمة البوسنية خلال الفترة من 19 – 20 سبتمبر الماضي بعنوان (مستقبل الدين في عصر العولمة).

والحقيقة أن تنظيم مثل هذا المؤتمر في هذا الوقت وفي ذلك الموقع يُعتبر أمراً في غاية الأهمية والحساسية. ذلك أن حضور الدين المتزايد في الحياة الاجتماعية، بل وتأثيره في القضايا السياسية والثقافية والأمنية والاقتصادية في العالم بأسره، أصبح أمراً معروفاً لايمكن الهروب منه وينبغي دراسته بشكلٍ منهجي، بدل الاعتماد السائد على الطروحات الإعلامية والصحفية السريعة والمختزلة التي كثيراً ماتُسيء معالجة الموضوع وتُركّز على الجوانب السلبية فيه، لأنها تهدف في كثيرٍ من الأحيان إلى خدمة أجندات سياسية وثقافية معينة أكثر مما تهدف إلى خدمة القارىء أو إلى توضيح أبعاد الموضوع بما يخدم قضايا الأمن والسلم والتنمية في العالم.
والواضح أن واقع العولمة الذي تعيشه البشرية أفسح المجال لامتداد تأثير الدين في المجتمعات، بحيث أصبحت هذه الظاهرة ونتائجها العملية عابرةً للحدود والقارات. بمعنى أن ذلك التأثير لن يبقى محصوراً في بقعةٍ جغرافية معينة بإيجابياته وسلبياته، وإنما سيمتد ليلمس مجتمعات مختلفة ويلامس بطريقة أو بأخرى منظوماتها السياسية والاقتصادية والفكرية.
كما أن عقد المؤتمر في سراييفو، التي أصبحت بعد أحداث التسعيينيات المؤلمة، رمزاً للمعاناة من الانقسام الإثني والسياسي القائم بدرجةٍ أو أخرى على الدين، يُعتبر أمراً بالغ الأهمية. وهو يتجاوز هنا المسألة الرمزية، لأن بإمكان المدينة والبوسنة بأسرها أن تصبح نموذجاً عملياً للتعايش الحقيقي، وليس الشعاراتي، بين مختلف الأديان. وذلك بحكم طبيعة تركيبتها الاجتماعية، وبحكم وجودها الجغرافي في قلب أوروبا، وبحكم انتقال جاليات كبيرة منها للعيش في بلدان أوربية مختلفة وفي أميركا أيضاً. ويساهم في هذا الأمر وجود شريحة مقدّرة من العلماء والباحثين والطلبة من أهل البوسنة نفسها، والذين يتميزون بنصيبٍ مقدر من المعرفة في حقول العلوم الشرعية والاجتماعية، ويمتلكون شخصية تمثل الوسطية الإسلامية إلى حدٍ كبير، مع قدرةٍ على النشاط والحضور في كثير من المحافل الإقليمية والعالمية. يأتي في مقدمتهم الشيخ الدكتور مصطفى سيريش المفتي العام للبوسنة والهرسك.
كانت تلك هي الخلفية الاستراتيجية التي دعت إلى التفكير بإقامة المؤتمر ثم عقده فعلاً في سراييفو. ويأتي هذا كجزء من جهود جمعية علماء الاجتماع والمعهد العالمي للمساهمة في إحداث نقلة منهجية على الصعيدين الفكري والعملي في التعامل، ليس فقط مع إشكاليات الواقع الإسلامي، وإنما أيضاً مع هموم الجماعة البشرية بغض النظر عن انتماءات اللون والعرق والدين والمذهب. وذلك من منطلق اليقين بأن التعامل مع تلك الإشكاليات والهموم يقوم على ثلاث ركائز أساسية: 1) معالجتها من منطلقات علمية منهجية تعتمد على الجهود البحثية والأكاديمية المتكاملة في مختلف مجالات المعرفة، 2) مُعالجتها في معزلٍ عن التنظير البحت الذي يغفل عن استصحاب الواقع الإنساني العملي بكل عناصره وتعقيداته ومتغيراته، 3) معالجتها بمشاركة أصحاب القضية من جميع الأطراف، إذ لم يعد من الممكن التعامل خاصة مع قضية التعددية الدينية في معزلٍ عن حوارٍ جدّي وعلمي يشارك به الجميع، بعيداً عن الاقتصار على الشعارات والإعلانات العامة.
من هنا، جاءت أعمال المؤتمر لتعبر عن تلك المعاني والأهداف بشكل كبير. فقد بدأت فعالياته بكلمة افتتاحية أوضح فيها مفتي البوسنة كيف أن العالم يحتاج بشكلٍ أو بآخر إلى ثورةٍ روحية، وأن عدم وجود هذه الأزمة يمكن أن يمثل أحد تحديات القرن الحادي والعشرين الميلادي، في حين أن ظهور مثل تلك الثورة بشكلٍ متوازن يمكن أن يصبح جزءاً من الحلّ لتلك التحديات.
وكجزءٍ من الحديث العملي في تلك التحديات، قدم البروفسور جوزيف مونتفيلي من أميركا نموذجاً لمقاربةٍ في حلّ النزاعات بناء على تعاليم الأديان، بدلاً من الاعتماد السائد حالياً على المقاربات السياسية والاقتصادية التي يثبت فشلها أكثر من نجاحها في كثيرٍ من المواقع. كما قدم الدكتور أنس كاريش من البوسنة نماذج من المقاربات المتنوعة التي حاول ويحاول بعض المثقفين المسلمين التعامل من خلالها مع تحديات العولمة. وأوضح كيف أن نجاح تلك المحاولات يعتمد إلى درجة كبيرة على طريقة فهم المثقف المعين للإسلام نفسه، ثم لمصطلح العولمة ومقتضياته من ناحية أخرى. بحيث تتناوب النتائج بين الصواب والخطأ بناءً على الدقة المنهجية لذلك المثقف في فهم العنصرين.
كان حاضروا المؤتمر ومنظموه كما ذكرنا حريصين على تجاوز مسألة التركيز على الشعارات في مسألة الحوار بين الحضارات والأديان. من هنا، تحدث الدكتور أنتوني سوليفان عن الفرق في المقاربات في التعامل مع هذه القضية عندما يكون المنطلق تقليدياً أو يكون معاصراً ومدركاً لظروف الواقع ومتغيراته وأدواته ومتطلباته. كما تساءل الدكتور أنس الشيخ علي رئيس جمعية علماء الاجتماع سؤالاً جوهرياً عما إذا كان أهل الأديان مقصرين في إعطاء الدين حقه في صناعة الواقع من خلال افتقادهم للقدرة على إدراك جوانب العولمة واستعمال أدواتها. في حين تحدث مفتي البوسنة عن الخطوات العملية التي تجري لتنفيذ مبادرة (كلمة سواء) التي بدأت بمثابة خطاب موجّه من مجموعة من العلماء والمثقفين المسلمين بعد المحاضرة التي أثارت لغطاً للبابا بندكتوس السادس عشر عام 2006م، ثم تحولت إلى مبادرة عملية وقّع عليها أكثر من 300 عالم ومثقف وأكاديمي مسلم.
وانسجاماً مع منهجية المزج بين النظرية والواقع في هذا الموضوع، خُصصت ندوة للحديث عن الجوانب الاقتصادية في مجال العلاقة بين العولمة والدين. فقدم الدكتور محمد أسوتاي من بريطانيا ورقة عن التميز الذي أظهره التمويل المبني على أساس إسلامي خلال الأزمة المالية التي عصفت بالعالم خلال الأعوام القليلة الماضية، وأظهر من خلال مقاربات وأمثلة عديدة كيف أن المزج العلمي بين المعاصرة وأحكام الشريعة مكّنت ذلك التمويل من تحقيق التميز المذكور. ثم تحدث الدكتور ياسر يلماز عن خطورة عزل معطيات الأديان الأخلاقية والروحية والفكرية عما يُسمى بحقول المعرفة العلمية، وعرض مقاربةً شرح فيها إمكانية تقديم الأخلاقيات الإسلامية الحضارية في مجال الاقتصاد كجزءٍ أساسي على طريق حل الأزمة الاقتصادية العالمية.
وبما أن الحديث عن العولمة فقد كان من الطبيعي الحديث عن الإعلام بشكل عام والإنترنت على وجه الخصوص. وفي هذا الإطار، قدّمت الدكتورة نورين هيرزفيلد ورقة عن تأثير الإنترنت وتقنيات الكمبيوتر كأداةٍ أساسية من أدوات العولمة في الدين من حيث طريقة فهمه وتطبيقه. وأوضحت بالأمثلة والشواهد كيف يمكن للإنترنت وبرمجياته مثل (فايس بوك) و (تويتر) أن تكون أداةً لنشر التسامح وتأكيد قيم التعايش والتعارف، وأن تكون في نفس الوقت وسيلةً لتجذير معاني تشويه الآخر والهجوم عليه وإشاعة معاني الكراهية والبغضاء، كما أن إمكانية التعارف على تعاليم الأديان الأخرى من خلال الانترنت أدى إلى تكاثر الانتقال بين الانتماءات الدينية وازدياد التعددية، وهو مايزيد تحدي العلاقة بين الدين والعولمة. أما الباحث المغربي عز الدين الزِماني فقد ركّز على ضرورة البحث العميق والجاد في قضايا القيم عند الحديث عن العولمة، لأن الخطورة في تجاوز هذه المسألة تتمثل بأن تصبح العولمة ظاهرةً إنسانية لاترتبط بعالم القيم والغايات الكلية من قريب أو بعيد. وهو ماقد يقلل من قيمة تأثيرها الإيجابي المُفترض ويجعل تأثيرها السلبي على الإنسان في كل مكان في غاية الخطورة.
وفي معرض البحث عن التشكيلات الاجتماعية الجديدة والقوى العالمية التي تنشأ بأثر العلاقة بين العولمة والدين قدّم الدكتور إرمين سينانوفيتش الأميركي من أصل بوسني بحثاً متميزاً عن شخصية المسلم العالمي الذي يستطيع تجاوز عوائق الحدود والثقافات واللغات ويعيش حياته ومبادئه في قلب ساحة العولمة دون خوفٍ وحذرٍ مُبالغٍ فيه، ودونما إحساس طاغٍ ودائم بالتناقض أو بضرورة الانعزال والحياة على الهامش. مؤكداً على أن قدرة المسلم في هذا العصر على فهم دينه بشكلٍ أصيل ومتوازن إضافة إلى القدرة على فهم واقع العولمة بكل أبعادها يجب أن يساعده على أن يكون عنصراً إيجابياً وفاعلاً فيها، لاأن يقتصر فقط على مجرّد التعايش معها بسلبية وحياد. ثم عرض الباحث الشاب اللامع داريل لي طالب الدكتوراة في جامعة هارفارد ملخصاً لبحثه عن الفرق بين القومية الإسلامية والعالمية الإسلامية والتي وضع المجاهدين العرب في البوسنة حالة دراسة لها، علماً أن استعمال كلمة (المجاهدين) واردٌ رسمياً في عنوان بحثه. حيث أكّد الباحث الأميركي الذي يُجري بحثه في البوسنة منذ عدة أشهر أن من الصعب دائماً بالنسبة له الهروب من ظلال مفهوم (الإرهاب) في مثل هذا البحث العلمي، رغم تأكيده بأن حالة أولئك المجاهدين لاتقع تحت تلك الخانة وإنما تحت خانة العالمية الإسلامية التي يمكن أن يُعبّر عنها بمفهوم الأمة الذي يُعتبر بدوره نوعاً من أنواع العولمة من المدخل الثقافي. أما الباحث ميرزا هادزيروزيفيتش من جامعة برمنغهام البريطانية فقد تناول ظاهرة الباحثين الملحدين الجدد في السياق العالمي للعولمة. وكان تركيز الباحث على أن ثمة فارقاً كبيراً بين الباحثين القدماء من الملحدين وهؤلاء الجدد يتمثل في أن الأوائل كانوا يبحثون بشكلٍ حقيقي في الأسئلة الفلسفية التي تتعلق بوجود الإله والأديان، وأنهم كانوا مستعدين للحوار العلمي. في حين أن المعاصرين منهم يكادون يكونون مؤدلجين بشكلٍ كامل، وليس لديهم لاالمنهج العلمي الذي كان سابقوهم يحرصون على اتّباعه، ولا الصبر على البحث في القضية بما ينبغي على أي باحث القيام به من الجهد والدراسة والحوار. ثم خلص من خلال الأمثلة والدلائل والشواهد إلى أن الهمّ الوحيد لباحثي الإلحاد الجدد يتمثل فقط في استخلاص دعاوي التهجم على الأديان بشكلٍ عام وعلى الإسلام خصوصاً بكل الطرق والوسائل الممكنة. بمعنى أن لديهم مُسبقات أيديولوجية جاهزة وكل همّهم أن يستعملوا عناوين البحث العلمي ليصلوا إليها بغض النظر عن طرائق البحث ومنهجياته العلمية الأصيلة.
وكان من المعبّر أن تُلقى في المؤتمر رسالةٌ شخصية وخاصة أرسلها الدكتور رون ويليامز أسقف كنيسة كانتربري الكنيسة الأم للكنائس الأنجليزية، حيّا فيها المؤتمرين مؤكداً على أن مثل هذه الجهود المنهجية المشتركة ستؤدي إلى تفاهم حقيقي أوسع بين أهل الأديان، وفي كيفية التعامل مع العولمة واستخدام آلياتها لتأكيد الدور الإيجابي للأديان في تحسين واقع البشرية. ويبدو أن هذه الحقيقة تجلّت من خلال اقتراحٍ أجمع عليه المشاركون بالدعوة لإقامة مركز عالمي لحوار الحضارات والأديان في سراييفو، بناءً على ماأكّد عليه أحد المحاضرين الكبار من أن المدينة وأهلها يحملان بسبب التاريخ والواقع صدقية وأهلية عالية في هذا المجال لايمكن أن تتوافر في أي مدينة أخرى في العالم.
وبشكلٍ عام، شكّلت أعمال المؤتمر إضافةً علمية منهجية مطلوبة بإلحاح في مثل هذا الموضوع. بل وأكّدت الحاجة للمزيد من العمل العلمي والمنهجي في معالجة مثل هذه المواضيع الحساسة والتي لاتؤثر فقط على مستقبل الإسلام والمسلمين، وإنما تؤثر على واقع الأمن والسلم والتنمية في العالم، ويجب أن يساهم فيها ويدعمها بشكلٍ أو بآخر كل من يهمه شأن البشرية في كل مكان. ذلك أن هذه النشاطات المنهجية تستعيد زمام المبادرة من أصحاب الأجندات الأيديولوجية أو السياسية أو الشخصية من الذين يعالجونها بشكلٍ مختزل ومُسطّح، ولكن بصخبٍ وضجيجٍ يزيد من عمق الأزمة التي تعيشها الإنسانية في هذا العصر. كما أن هذه النشاطات تفتح المجال واسعاً للمنصفين والعقلاء من النشطاء والإعلاميين للاستفادة من المعطيات المدروسة للبحوث العلمية وماتقدمه من تحليلات ومعلومات بحيث تزداد قدرتهم على العطاء الإيجابي للمساهمة في حل تلك الأزمة.
 
المعهد العالمي للفكر الإسلامي.