12 مارس, 2015
تقرير دورة النموذج المعرفي للمشروع التربوي عند مالك بن نبي
By host @ 11:06 ص :: 20359 Views :: آخر الأخبار, الأخبار, خبر بارز

تقرير التصور الفكري للأزمة الحضارية وموقعه من حركة الإصلاح الفكري: دورة النموذج المعرفي للمشروع التربوي عند مالك بن نبي في الفترة من 8 -9 فبراير 2015

في إطار خطة المعهد العالمي للفكر الإسلامي لدعم دورات تدريبية متخصصة في أفكار مصلحي الأمة للتعريف بهم جاءت فعاليات دورة "النموذج المعرفي للمشروع التربوي عند مالك بن نبي" والذي تم عقدها بالتنسيق مع مركز الدراسات المعرفية بالقاهرة في الفترة من 8-9 فبراير 2015. حيث تم تسجيل (30) باحثاً من كافة التخصصات المختلفة، وRifa'at Al Awadiبلغت نسبة الحضور طوال مدة الدورة (80%) من إجمالي المسجلين، وتضمنت الدورة مجموعة من الجلسات جاءت على النحو التالي: بدأت الدورة بتلاوة آيات الذكر الحكيم من المتدرب المهندس/ حسام الدين مصطفى، وأعقب ذلك كلمة افتتاحية للأستاذ الدكتور رفعت العوضي – المستشار الأكاديمي للمركز، حيث وجه فيها الشكر للمشاركين في الدورة وتمنى لهم أن يحصلوا منها على ما جاءوا من أجله. ثم وجه الشكر للدكتور حسان عبد الله – للتحضير العلمي المتميز للدورة.

ثم قدم نبذة سريعة عن المعهد العالمي للفكر الإسلامي وتاريخه وفكرة إسلامية المعرفة. ثم عرض لأنشطة مركز الدراسات المعرفية التي تتنوع ما بين مواسم ثقافية وعدد من المؤتمرات والندوات. ودعا الحاضرين إلى الإطلاع على موقع مركز الدراسات المعرفية للاستفادة من المادة العلمية القيمة الموجودة عليه.

  وأشار إلى أن المفكر "مالك بن نبي" هو رمز من رموز التقدم على مستوى العالم الإسلامي وله دور فكري متميز في الجزائر. وفيما يتعلق بالجانب الاقتصادي فقد رأى ما هو صحيح وحقيقي في هذا المجال. ثم أعقب تلك الكلمة الافتتاحية كلمة للأستاذ الدكتور عبد الرحمن النقيب – المستشار التربوي للمركز حول التعريف بكتاب الدورة، وجاء فيها أن المفكر مالك بن نبي تشرب بالنموذج المعرفي الإسلامي وطبقه في كل ما كتب وعاش مخلصاً له مؤثراً في أجيال عديدة في الجزائر وغيرها.

ثم عرج على النموذج المعرفي، وأكد على أن النموذج المعرفي الغربي هو المسيطر والمهيمن على عقول أبناء الأمة ولأسباب تاريخية وحضارية أخرج الوحي من دائرة العلم، أما نحن فنموذجنا المعرفي هو نموذج واحد يجمع ما بين مصادر المعرفة جميعاً من حس وعقل وتجريب وأيضاً مصادر المعرفة الأساسية القرآن والسنة الصحيحة. ووحدة المعرفة الإسلامية كانت هي حضارتنا وفكرنا وجAbdelrahman Al Nageebميع العلوم والمعارف منسوجة نسجاً من جميع المصادر بما فيه الوحي.

هذا التعمق في الثقافة الغربية والإسلامية ودمج الاثنين في نسيج واحد. ولذلك كان لإنتاج "مالك بن نبي" هو كدح علمي حقيقي من شخص مسلم عاش الحضارة الغربية، وهو نموذج لجميع الشباب الآن الذين يبحثون على إجابات للهم المعرفي ويطلبون الإجابات في المنظور الغربي أو في المعرفة الغربية. وقد حاضر في هذه الدورة أساتذة معروفين باهتمامهم بقضية الحضارة وفكر "مالك بن نبي" المفكر الجزائري الذي أهمله العالم ولم يلتفت إلي علمه الغزير ونظرياته الحضارية العميقة وانشغاله بقضية الأمة الإسلامية -علي وجه الخصوص- واهتمامه بكيفية الخروج بالأمة من المنعطف الذي وضعها فيه الاستعمار وما تركه بالشخصية المسلمة من قابلية للاستعمار علي حد تعبيره.

كانت المحاضرة الافتتاحية للباحث الدكتور حسان عبد الله (مقرر الدورة) تحدث فيها عن الأعمال الفكرية لمالك بن نبي وموقعه من حركة الإصلاح المعرفي في الأمة ألقي فيها نظرة عامة علي خريطة حركة الإصلاح المعرفي في الأمة الإسلامية في العصر الحديث وبدأ بما يجب مراعاته منهجياً للباحث في أفكار رواد الإصلاح في الأمة وحددها في أربعة عناصر هي:
1- إدراك البيئة بمعناها الواسع التي ظهرت فيها أفكار الإصلاح

2- إدراك التصور الفكري المنهجي للأزمة الحضارية

3- الوقوف على منهجية معالجة الأزمة الحضارية

4- (المجال الحيوي للإصلاح) قضايا / موضوعات الإصلاح.

ثم تناول جملة قضايا الإصلاح المعرفي خلال القرنين الماضيين عند الرواد والتي تمركزت بصورة كلية حول عدة محاور هي: الدين ومكانته في التغيير الحضاري، الغرب،الأمة.. ثم عرض خارطة حركة الإصلاح المعرفي في الأمة مبينًا مساراتها واتجاهاتها الرئيسية في الميادين التالية: الميدان الفكري، الميدان الفقهي، الميدان الفلسفي، الميدان السياسي، الميدان التأصيلي. ثم قدم بصورة مختصرة مجموعة كتابات المفكر الإسلامي مالك بن نبي بدأها بشروط النهضة ونسمع للمرة الأولي في الدورة من أقوال مالك فيقول :"لكيلا نكون مستعمرين يجب أن نتخلص من القابلية للاستعمار"، (أخربوا المستعمر من أنفسكم يخرج من أرضكم). ويعلن في هذا الكتاب أيضاً رؤيته في مصدرية التغيير وناحيته رافعاً شعاره الآية الكريمة (إِنَّ اللهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) {الرعد:11}. ثم كتاب الظاهرة القرآنية، والفكرة الأفرو أسيوية، و مشكلة الثقافة، و في مهب المعركة، و مذكرات شاهد قرن والذي قسمها لمرحلتين: لطفولته (1905 – 1930)، والثاني: الطالب (193 – 1939). وظهر مالك في هذه الكتاب بعدة أدوار كلها متميزة ودقيقة، فهو يبدو تارة كعالم نفس، وتارة كعالم اجتماع، وأخرى سياسي، ورابعة كأديب وفنان... في تصوير بل تشريح وتشخيص لحقبة تاريخية من أهم الحقب في أمتنا، والتي مازلنا نعيش آثارها حتى الآن، ولكن دون أن نفهم ونعي جذورها.

وتناول أيضا كتاب العفن، و تأملات، و ميلاد مجتمع الذي جدد فيه فكرة " لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، وكتاب الصراع الفكري في لبلاد المستعمرة، وإنتاج المستشرقين وأثره في الفكر الإسلامي، والقضايا الكبرى، ووجهة العالم الإسلامي، وفكرة كومنولث إسلامي، و مشكلة الأفكار، والمسلم في عالم الاقتصاد، وبين الرشاد والتيه، ومن أجل التغيير، وأخيرًا كتاب مجالس دمشق.

وختمت المحاضرة الافتتاحية بالخطوط الرئيسية للمشروع الحضاري عند مالك بن نبي وأوضح فيها أن مرتكز التغيير عند مالك بن نبي ينبني علي عنصرين هامين، هما عنصر التخلية وعنصر التحلية.

أما المحاضرة الثانية في الدورة فكانت للأستاذ الدكتور السيد عمر بعنوان "النموذج المعرفي لدي مالك بن نبي" وبنيت علي محورين:
1 ـ المراد بالنموذج المعرفي و المتوالية المعرفية بوجه عام.

2 ـ بنية النموذج المعرفي للواقع المعاصر لدى مالك بن نبي.

ثم تناول المحاضر متطلبات صياغة نموذج معرفي واستخدامه و بنية النموذج المعرفي للواقع المعاصر لدى مالك بن نبي.. وأوضح أن مالك بن نبي يبنى النموذج المعرفي الإنساني على ثلاثة ركائز ،أولاها: استشراء داء الغفلة عن الوحي وعن السنن الإلهية. وثانيها: فوضى حالة العالم الإسلامي الناتجة عن أفول دورة الحضارة الإسلامية الأولى واستحكام داء القابلية للاستعمار، وفوضى حالة الحضارة الغربية السائدة لدخولها طور الغريزة على نحو يؤذن بقرب غروب شمسها، مما يفتح المجال لدورة حضارية إنسانية جديدة. وثالثها: الحاجة الإنسانية لإعادة الاعتبار للمفاهيم المحورية المأسورة والمخذولة، وفي الصدارة منها مفاهيم: الدين، والتقدم، والإصلاح، والخلاص، والحضارة ، والثقافة ، والثورة، والاستقلال.

وتناول المحاضر تعريف مالك للحضارة باعتبارها تتضمن نمو الإنسان في جميع مراحله فهي: توفير الشروط الأخلاقية والمادية التي تتيح لمجتمع معين أن يقدم لكل فرد فيه المساعدة الضرورية له في كل أطوار حياته من طفولته إلى شيخوخته .

ويختتم المحاضر تحليله للعثرات التي يعاني منها عالمنا الإسلامي وهي: المرتزقة والقابلية للاستعمار: ويرى أن لها ثلاثة مصادر: الاستعمار، والقابلية للاستعمار، والمرتزقة من أبناء الأمة. والأول لا يستطيع أن يفعل شيئا دون الآخرين. و يلخص مالك بن نبي خبرته الشخصية بقوله ( ما أصابني الاستعمار بأذى يعطل نشاطي بوصفي كاتبا إلا عن طريق هيئة دينية إسلامية أو سلطة في بلد عربي.

وعن التصور الفكري للأزمة الحضارية عند مالك بن نبي يلقي الدكتور حسان عبد الله الضوء على الأسباب والعوامل في محاضرته الثانية في اليوم الأول ، ويذكر أن مالك بن نبي يرسم خطوطاً عريضة للأزمة الحضارية التي يعيشها العالم الإسلامي، تبدأ من غياب الشروط الزمنية والنفسية لتطور المجتمع وتنتهي بتمظهر هذا الغياب في السلوك الاجتماعي للأفراد، أما عن أسباب الأزمة فهي تنقسم إلى قسمين، قسم داخلي وآخر خارجي، والعوامل الداخلية هي:
1 ـ اختلال العالم الثقافي 2 ـ المشكلة الفكرية، ومن مظاهرها : 1- الخلل في نظام عالم الأفكار 2- فكرة الأوهام الثلاثة 3 ـ القابلية للاستعمار 4ـ عصر ما بعد الموحدين ( عصر الأزمة الحضارية ) 5 ـ وهن الدفعة القرآنية والفصام في الشخصية المسلمة 6 ـ تبديد العقل المسلم والمقصود به هو انحرافه عن أداء رسالته، وهنا تحدث الدكتور حسان بالتفصيل عن مظاهر تبديد العقل المسلم وأسابه، وذكر من تلك المظاهر علي سبيل المثال: الجمود علي الموجود، وانشغال العقل بالفرع وفرع الفرع وفرع فرع الفرع حتى ترك الأصل، والركون إلي الغير، وإهمال المراجعة والنقد الذاتي، والانحراف عما حفظ الله به العقل من التبديد، التعصب الذي يؤدي إلى الانغلاق.

في القسم الثاني لتصور مالك بن نبي للأزمة الحضارية نجده يحدد عاملاً رئيساً خارجياً ووحيداً هو (الاستعمار) الذي أوقف تطور حركة المجتمع المسلم، واستهدف نظامه القيمي، وسلبه حريته فالاستعمار حاول أن يكف العالم الإسلامي عن التطور، ويضع العراقيل أمام حلول مشكلاته النفسية والاجتماعية، ليس هذا فحسب، وإنما ظهر– أيضاً – في صورة محسة وأعمال سالبة تهدف إلى طمس قيم الفرد وإمكانيات تطوره، والاستلاب أحد الآثار الفكرية الناتجة عن الاستعمار الذي استطاع اختراق جدارنا المعرفي، وإرغامه على أن يشتري (الأشياء) من الغرب "وتبنى مقايسة، ومعاييره، وتمثل أفكاره حسنها ورديئها والتي تهدد شخصية العالم الإسلامي وبقاءه.

وتعرض المحاضر لمظاهر وأشكال المعركة الفكرية للاستعمار (المعركة الحقيقية للاستعمار هي معركة فكرية و معركة نفسية) وينقل عن مالك تحذيره وتنبؤه بسلاح الاستعمار الأكثر خطرًا (يجب ألا يبقى عندنا شك في أن الخصوم الذين يتنافسون على محور واشنطن-موسكو، للاستيلاء على عناصر القوة، سيلجئون إلى سلاح الأفكار؛ لأن قنابلهم الدرية أصبحت عاجزة في المستقبل عن حل مشكلاتهم المعلقة).

 

وطرحت المحاضرة أهم مظاهر المعركة الفكرية التي يقودها الاستعمار ضد البلاد المستعمرة والتي صورها في الأشكال التالية:
1 ـ استعمار وخشبة المسرح. 2 ـ التوائم السيامية . 3 ـ الألعاب الأسبانية ( المنديل الأحمر والثور الهائج ) . 4- عزل المكافح الفكري. 5- عزل كفاح الجماهير.

 

ويختتم المحاضر بذكر أدوات الاستعمار في المعركة الفكرية وهي مراصد الأفكار والمختبرات النفسية، ثم يعقب قوله والأخطر في هذه المعركة الفكرية ليس في طبيعتها ولا حدودها أو صناعتها أو أدواتها... وإنما هو في الحالة الداخلية بهذه البلاد المستعمرة، وما يعانيه الفرد والجماعة فيه من ضعف في الأساس المفاهيمي الذي تسمم عبر عوامل عدة حوله إلى "ظاهراً من الحياة الدنيا"... فدخل مجتمعنا الإسلامي عالم الأشياء؛ ولكنه لم يدخل بعد عالم الأفكار، كأنه طفل يعرف عالم الأشياء قبل عالم الأفكار، وتزداد الفجوة بين العالمين نتيجة لحالة "الأمية" وغياب " التأهل الفكري" لدى الفرد المسلم، وغياب قدرته على النقد والمراجعة.

تخللت محاضرات اليوم الأول فقرات تدريبية وقياسية للمتدربين لقياس مدي استيعاب الحاضرين لما طرح من خلال ملف النصوص التدريبية والنموذج التدريبي للمتدرب, ومتابعات الأساتذة المحاضرين.

بدأ اليوم الثاني مع الأستاذ الدكتور السيد عمر والذي قدم قراءة جوانية لفكر مالك وجاءت محاضرته تحت عنوان "متطلبات التمكين الحضاري لدي مالك بن نبي" ودارت المحاضرة حول محورين: الأول: تشخيص مالك بن نبي لحالة الحضارة في عالم اليوم سواء على صعيد العالم الإسلامي أم الغربي، والثاني: بيان شروط إقلاع العالم الإسلامي صوب دورة حضارية إنسانية ثانية تعتق البشرية من الحضارة المادية الغربية الآفلة وهي ترصد بالمحور الأول مؤشرات فوضى الحالة الحضارية في العالم الإسلامي ثم في الغرب. ثم تحدد ضمن المحور الثاني شروط التمكين الحضاري، وترسم أحد عشر معلما على طريق النهوض الحضاري الإسلامي المرتقب.

أشار المحاضر هنا إلى تصنيف مالك بنبي التاريخ الإسلامي إلي ثلاثة مراحل: مرحلة الإسلام الأولى في دفعته الإيمانية الحية وتنتهي في رأيه بموقعة صفين إلا أن هذه الدفعة الإيمانية تستمر ظلالها ما يقرب من عشرة قرون هي عمر الدورة الأولى للحضارة الإسلامية، ومرحلة المدينة الإسلامية التي شهدت غاية التألق الحضاري وتنتهي بسقوط دولة الموحدين في مستهل القرن السابع الهجري، ومرحلة الجمود والانحطاط والقابلية للاستعمار التي لا زلنا نعيش في رواسبها وآثارها.

تشخيص الأزمة الحضارية للعالم الإسلامي ينقل أ.د السيد عمر عن مالك قوله: لم يفقد الإيمان سيطرته في العالم الإسلامي بشكل مطلق، وإنما تحولت العقيدة إلى طاقة فردية وفقدت فاعليتها الاجتماعية . فقد المسلم شهادته علي العالم و يرى مالك بن نبي أن العالم الإسلامي يعاني من أزمة حضارية لها معالم رئيسة هي:
1- غياب الشروط النفسية والزمنية لتطور المجتمع.

2- غياب التوازن بين عوالم الأفكار والأشخاص والأشياء وطغيان عالم الأشياء على الآخرين .

3- ضعف شبكة العلاقات الثقافية في العالم الإسلامي المعاصر.

4- فقدان الاتصال بالنماذج المثالية للعالم الثقافي الإسلامي الأصلي.

5- غلبة الأوهام الثلاثة: ( العجز عن فعل شيء بسبب الجهل، والعجز عن العمل بسبب الفقر، والعجز عن الفعل الحضاري بسبب الاستعمار).

ثم تحدث عن شروط التمكين الحضاري والذي جعل (الدين فيه هو أساس كافة التغيرات الإنسانية الكبرى. وهو وحده القادر على الموازنة بين ما هو مادي وما هو روحي وتغيير الفرد وتغيير القيم الاجتماعية). أكد الدكتور السيد عمر- أيضًا- أهمية التكامل بين الثقافة والسياسة في الطريق لدخول حضارة أو العودة إليها وقدم عرضا لوجهة نظر مالك في الديمقراطية وبيان جوهر اتفاقها واختلافها مع النهج الإسلامي، والفاعلية وبناء شبكة العلاقات الثقافية والربط بين الحياة الدنيا والآخرة وشروط النهضة وتوجيه عناصر الحياة الأساسية كالعنصر البشري والثقافة ثم التوجيه الأخلاقي والجمالي والمنطق العملي وتوجيه الصناعة وتوجيه العمل وتوجيه رأس المال، والعنصر الثاني " التراب " ثم العنصر الثالث من عناصر الحضارة وهو " الوقت ". وختم الدكتور السيد عمر محاضرته بالتأكيد على ضرورة استئصال القابلية للاستعمار فيقول: يسعى الاستعمار إلى التأثير على الشعوب المستعمرة من الخارج ليخلق من إنسانها نموذجا للشخص المغلوب على أمره المتسم بالبطالة والجهل وانحطاط الأخلاق والمغمور بالأوساخ وهذا ما يجعل أهم متطلبات التمكين الحضاري هو التخلص من الصفات التي يحملها هذا الإنسان.

وتأتي المحاضرة الثانية لليوم الثاني، بعنوان ( منهجية التغيير الحضاري عند Azza Mukhtar مالك بن نبي) للكاتبة عزة مختار، بدأت فيها بتحليل المراحل الثلاث التي تصورها مالك للحالة الحضارية والتي بدأها بالمرحلة الروحية، ثم المرحلة العقلية، ثم مرحلة الغريزة، ومثل مالك للمرحلة الروحية بالفترة الأولي للإسلام التي انتهت بموقعة صفين من وجهة نظره، ثم المرحلة العقلية التي تجلت في العصر العباسي ودولة الموحدين في الأندلس، ثم مرحلة الغريزة التي سيطرت فيها الغرائز وتقلص دور الدين في المجتمع حتى أخذت الأمة في منحنيي الهبوط.

وتعرضت المحاضرة لمفهوم التغيير الحضاري عند مالك بن نبي، كان أولهما النظرة الاستقصائية وعرف فيها مالك الحضارة بأنها " مجموعة الشروط الأخلاقية والمادية التي تتيح لمجتمع معين أن يقدم لكل فرد من أفراده في كل طور من أطوار وجوده منذ الطفولة وحتى الشيخوخة المساعدة الضرورية له في هذا الطور أو ذاك من أطوار نموه ،ثم النظرة الوظيفية التي قسم عناصر الحضارة فيها إلي ثلاث عناصر أساسية وهي : الإنسان ، والتراب ، والزمن، ثم تحدثت عن نطاق التغيير الحضاري عند مالك وقد حددها في خمس نقاط هي:
1 ـ الإنسان في تحوله من فرد إلي شخص.

2 ـ التراب في تحوله من الحالة الخام إلي التكييف الفني والتشريعي.

3 ـ المجتمع في تحوله من المجتمع البدائي إلي المجتمع التاريخي.

4 ـ الثقافة في تحولها من الإطار الغريزي إلى الإطار المربي.

5 ـ الزمن في تحوله من الحالة السائبة إلي الاستثمار الاجتماعي.

وقد نوهت المحاضرة إلي مرجعية التغيير عند مالك وهي القرآن الكريم الذي اعتمد منهج التخلية والتحلية في التغيير الإنساني منذ نزول أول كلمة في كتاب الله (اقْرَأْ)، وعن آليات تلك المنهجية تناولت المحاضرة آليتي التخلية والتحلية، وأبرزت مجموعة من الأفكار يجب التخلي عنها وتنقية النفس المسلمة منها أولا قبل تغذيتها بمجموعة القيم الإسلامية وجعل أساسها التشبع بالفكرة القرآنية مناط التغيير الذاتي الوجدان، والعقل، والنفس يقول مالك: علينا أن نتشبع بالفكرة القرآنية ونقتنع بها، وفي الآن نفسه علينا أن نقنع الآخرين بها ، وإلا فإن التحدي الحضاري سوف يفرض نفسه علينا "هذا وقد اعتمد مالك فكرة التربية طريقة مثلي لعملية التخلية والتحلية.

المحاضرة الأخيرة للدكتور حسان عبد الله جاءت بعنوان "مكونات النموذج المعرفي للمشروع التربوي الحضاري من فكر مالك بن نبي" أوضح فيها أن الظاهرة التربوية أبرز القواسم المشتركة التي ظهرت عند المفكرين الإصلاحيين في الفكر الإسلامي في العصر الحديث، و طرح ثلاثة تفسيرات لهذه الظاهرة:

أولاً: أن التربية هي الأساس الذي اعتمده الوحي في تغيير النفوس والقيم والمفاهيم والاتجاهات ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالحِكْمَةَ﴾ (آل عمران:164).

ثانياً: أن الهدف والمقصد الأعلى لحركات التغريب والعلمانية التي ظهرت خلال الاستعمار كان تغيير أنماط السلوك والمفاهيم والأخلاق في منظومة القيم الإسلامية وطرح القيم الغربية العلمانية بديلاً عنها، ومن ثم كانت مواجهة الحركة الإصلاحية ترتكز في نفس محاور الهجوم وهي "السلوك والوجدان".

ثالثاً: أن حالة التراجع الحضاري التي شهدها العالم الإسلامي في القرون الأخيرة بدءاً من القرن الثامن عشر إنما ترُد في أغلبها إلى حالة الجمود العقلي وسيادة التقليد وغياب البصيرة الحضارية، وكلها ترد إلى خلل في البناء التربوي للفرد والجماعة في المجتمع المسلم.

وأشار كذلك إلي أن غاية النموذج هي: الإنسان وأن والمقصد التربوي للمشروع الحضاري لمالك هو تكوين الفرد (الإنسان) المسلم الحامل لرسالته والقادر على إبلاغها. ومن ناحية أخرى يعالج المشروع التربوي الحضاري في ضوء النموذج المعرفي عند مالك أربعة محاور أساسية تتجه نحو التشييد لمجتمع الحضارة:

المحور الأول: التشوه الحاصل في الرؤية الكلية للإنسان المسلم
المحور الثاني: المسار النفسي للمسلم الذي فصل بين عقيدته وفعاليته
المحور الثالث: الخلل الإدراكي في الهوية، المحور الرابع: "بناء المنهجية" الراشدة لإعادة بناء العقل المسلم في تصوراته ومفاهيمه.

ثم تطرق إلي قيم النموذج وهي: (الجمال، الأخلاق، العمل)، وتطرق أيضا لمفاهيم النموذج وهي (الإنسان ، الثقافة ، الحضارة).

واختتمت الدورة بتوزيع شهادات التقدير علي المتدربين بعد اجتيازهم مجموعات التقويم التي تخللت الدورة، وفي رأيي أن تلك الدورة من الدورات المتكاملة علميا من حيث التحضير الفني والعملي والمستوى الفكري، وعمليا في التعرض لتشخيص الداء الحقيقي للأمة وكيفية الخروج من أزماتها المتوالية، كما برز فيها العنصر التدريبي على قراءة أفكار مالك بن نبي واستخلاص ما يمكن تشغيله وتطويره في واقع أمتنا المعاصر. وقد أعرب المتدربون عن امتنانهم لمركز الدراسات المعرفية والقائمين على الدورة لتبنيهم مثل هذه الأفكار الإصلاحية الرائدة وطالبوه بمزيد منها في نفس هذا المستوى التدريبي والتجهيزي.