02 ابريل, 2014
تقرير عن محاضرة العلوم الاجتماعية والتغير الاجتماعي
By host @ 07:14 ص :: 3056 Views :: آخر الأخبار, الأخبار, خبر بارز

ألقى الدكتور فتحي حسن ملكاوي المدير الإقليمي للمعهد العالمي للفكر الإسلامي محاضرة بعنوان: "العلوم الاجتماعية والتغير الاجتماعي"، وذلك يوم السبت 29/3 /2014، في قاعة المعهد بعمان. وحضرها حوالي خمسين من أعضاء "فريق قارئ النهضة" في الأردن.

تناولت المحاضرة سبعة عناصر هي: التغير والتغيير الاجتماعي، العلوم الاجتماعية وموقعها في نظم تصنيف العلوم، موضوع علم الاجتماع: نشأته وتطوره وفروعه، نظريات علم الاجتماع وأعلامها، ابن خلدون مؤسس علم الاجتماع، جذور علم الاجتماع المعاصر في أعمال أوغست كونت، وإميل دوركهايم.

أشار الدكتور ملكاوي قبل أن يبدأ موضوع المحاضرة إلى القيمة المترتبة على اطلاع الشخص واكتسابه للمعرفة في غير مجال تخصصه. وتظهر هذه القيمة في أهمية بناء الرؤية العامة للموضوع وخريطته الكلية دون الانشغال بالتفاصيل، وعندها ربما يرى غير المتخصص من العناصر والعلاقات ما لا يرى المتخصص، ويكون فهمه وحديثه عنها عنصراً مهما في ثقافته العامة. ويبدو أن هذه المحاضرة تجمع المحاضر والحضور على هذا الصعيد.

ثم ابتدأ المحاضر بإلقاء نظرة إجمالية على مفهوم "العلوم" بوصفها معرفة البشر عن الله الخالق سبحانه، والعالم المخلوق: الطبيعي والاجتماعي والنفسي. وأنّ الله تعالى هو رب العالمين؛ أي رب هذه العوالم بكل ما فيها. ثم تطرّق إلى تطور العلوم البشرية وتصنيفات العلوم إلى ثلاث فئات: علوم الطبيعة وتطبيقاتها، علوم الوحي والنقل أو علوم الشريعة ، وعلوم الإنسان والمجتمع أو العلوم الإنسانية والاجتماعية. ثم تطرّق إلى العلوم الاجتماعية وتنوع موضوعاتها وموقع علم الاجتماع بينها وعلاقته الوثيقة بالعلوم الأخرى، حيث يقوم هذا العلم على فكرة الاجتماع البشري بالطبع والفطرة، بدءاً من الأسرة والقبيلة والشعب والأمة وما يكون لهذه المستويات من ظواهر وعلاقات وأنماط سلوك، وما يحكم هذا السلوك والعلاقات من أعراف وعادات وقوانين وأنظمة.

ثم انتقل المحاضر إلى حديث عن الشطر الآخر من عنوان المحاضرة، وهو "التغير الاجتماعي"، موضحاً الفرق بين "التغير" كظاهرة، و"التغيير" كهدف نطمح للوصول إليه. فالتغير ظاهرة أزلية وعملية مستمرة شهدها تاريخ الوجود الإنساني بدأت منذ خلق آدم، الى آدم وحواء ثمّ ابني آدم ثمّ بنو آدم فالشعوب والقبائل والأمم. والفرد يولد وينمو ويكبر ويتزوج ويكون له أبناء وحفدة ونسب وصهر. وعن عوامل التغيّر فهي إما أن تكون دوافع داخلية، أو عوامل خارجية كالحروب والاحتلال الأجنبي. والتغير يحصل في القيم والمعايير الثقافية والمعتقدات والمفاهيم والأفكار لكنه في هذه المجالات تغير بطيء لا يلاحظ إلا من خلال مرور الزمن. لكن التغير أو التغيير في النظم الاجتماعية وبخاصة ما تقرره حكومات الدول فهو أبرز ظهوراً للعيان: كنظام الزواج والأسرة، ونظام الاقتصاد والملكية الزراعية والنظام التربوي مثل سِنِّ الالتحاق بالتعليم ومجَّانية التعليم، والنظام السياسي الذي قد يتحول بين ليلة وضحاها من ملكي الى جمهوري ، ومن أوتوقراطي أو استقراطي إلى ديموقراطي...إلخ.

لكن السؤال الذي يبقى دائماً موضع قلق هو كيف يحدث التغييّر الاجتماعي المنشود؟ رأى الدكتور ملكاوي أنَّنا لا نجد في علم الاجتماع نظرية تحسم هذا الأمر، فأساليب التغير في الاتجاه المنشود، والتوازن بين الرغبة في التغيير والمحافظة على الوضع القائم، والتحكم في سرعة التغير... كلّها عناصر في علم الاجتماع، لكنها عناصر غير ناجزة والخبرة فيها محدودة، والجدل حولها كثير. وثمة نظريات وتجارب بشرية في المجتمعات المختلفة، يتفاوت نصيبها من الواقعية، والمصداقية، وإمكانية التعميم، ومن المفيد دراستها واستلهام ما فيها خبرة وحكمة. ويبقى اليقين الذي نعرفه: "إنّ الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم".

وفي المحورالثالث حول نظريات علم الاجتماع عدّد د. فتحي ملكاوي أهم النظريات في علم الاجتماع والمؤسسين لها : (1) الوضعية لأوجست كونت، (2) الوظيفية لإميل دور كهايم، (3) الصراعيّة لكارل ماركس، (4) التفاعليّة –التبادلية لجورج هربرت ميد، (5) البنيوية-النقدية-الراديكالية لبيير بورديو، (6) الفردية لماكس فيبر وبوردون، (7) التواصلية ليورجن هابرماس، (8) علم اجتماع ما بعد الحداثة لزيغمونت باومان، (9) علم الاجتماع النسائي لدوروثي سميث، (10) علم اجتماع العولمة لماري كلدور. ... إلخ. وعقب المحاضر بالقول إنّ لكل من هذه النظريات نصيب من الصحة وكثير من العبث؛ فمعظم النظريات الاجتماعية تأتي للتأكيد على جانب معين من الظاهرة الاجتماعية لتنقض الجانب المقابل له، أو لتؤكد جانباً من الظاهرة الاجتماعية على حساب الجوانب الأخرى. ولذلك تكون محاولات النقض والإقصاء هي الظاهرة البارزة في تعدد النظريات، والحكم عليها. وبطبيعةالحال يلزم أن نبحث في كل نظرية عن رؤية العالم التي تنطق منها هذه النظرية في تفسيرها للظاهرة الاجتماعية، كما هي أو كما يجب أن تكون عليه.

وفي المحور الرابع خلال الجلسة ذكر المحاضر عدداً من فروع علم الاجتماع (الأسري، الاقتصادي، الأخلاقي، السياسي، الديني، الحضري، الريفي، البدوي، القانوني، التربوي، المقارن. . وغيرها) موضحاً صلة علم الاجتماع وارتباطه الوثيق بالعلوم الأخرى، ومن الملاحظ أن العنصر الأساس في تفاصيل كل فرع من هذه الفروع هو الجانب الوصفي، بينما يكون الجانب الأهم في نظريات علم الاجتماع هو إعمال رؤية محددة للعالم في الفهم والتقويم والحكم.

وفي المحور الخامس: شخصيات في علم الاجتماع، ذكر الدكتور ملكاوي أسماء عدد من الشخصيات التي برزت في علم الاجتماع والمجال الذي اشتهرت به كل شخصية، من خلال إسهامها المكتوب. ولاحظ التعدد في المجالات المعرفية التي أسهمت فيها هذه الشخصيات، فقد يكون المجال المعرفي للاهتمام مجالاً سياسياً أو اقتصادياً أو تاريخياً، أو فلسفياً. وذكر على وجه التحديد الأسماء الآتية: 1. ابن خلدون/ عربي مسلم 1382م المقدمة: الاجتماع الإنساني والعمران البشري 2. جان جاك روسو/ فرنسي 1778م العقـد الاجتماعي 3. شارل مونتسكيو/ فرنسي 1790م روح القوانين 4. آدم سميث/ استكلندي 1790م ثروة الأمم 5. كوندورسيه/فرنسي 1794م مخطط لصورة تاريخية لتقدم العقل الإنساني 6. اوجست كونت/ فرنسي 1857 دروس في الفلسفة الوضعية للطبيع الاجتماعية 7. لامبرت كيتيليه/ بلجيكي 1874م الطبيعة الاجتماعية 8. دوركهايم/ فرنسي 1917م قواعد المنهج في علم الاجتماع 9. ماكس فيبر/ألماني 1920م الأخلاق البروتستنتينية وروح الرأسمالية 10. ستيفن سيدمان/ امريكي معاصر 2008 المعرفة قيد الجدال حول النظرية الاجتماعية اليوم

ونصح د. ملكاوي غير المتخصصين في علم الاجتماع بقراءة كتاب "المعرفة قيد الجدل في علم الاجتماع" لمؤلفه ستيفن سيدمان ( Contested Knowledge: Social Theory Today) وقد تناول الكتاب أهم مدارس علم الاجتماع وشخصياته ونظرياته. ونوّه بأن المعهد العالمي للفكر الإسلامي سوف ينشر قريباً جداً ملخصاً لهذا الكتاب باللغة العربية، أعده عالم الاجتماع التونسي الدكتور محمود ذوادي. كما نصح بقراءة المجلد الأول من المجلدات الثلاثة من مقدمة ابن خلدون تحقيق على عبد الواحد وافي الذي تضمن دراسة وافية عن مجالات الإبداع التي قدمها ابن خلدون، بالمقارنة بما قدمه أوجست كونت، والأفضل بطبيعة الحال قراءة المقدمة بمجلداتها الثلاثة.

وفي المحورين السادس والسابع تناول د. ملكاوي شخصية عبدالرحمن بن خلدون وإميل دوركهايم بشيء من التفصيل. فابن خلدون هو عبد الرحمن بن محمد بن خلدون الحضرمي من مواليد تونس 1332-1382م. وأهم مؤلفاته كتاب في التاريخ: بعنوان "العبر وديوان المبتدأ والخبر، في أيام العرب والعجم والبربر، ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر". وكتاب المقدمة هي الجزء الأول من كتاب العبر، ولابن خلدون كتاب في السيرة الذاتية: بعنوان: "التعريف بابن خلدون ورحلاته شرقاً وغرباً". وله كتاب في التصوف بعنوان: "شفاء السائل في تهذيب المسائل". وفي كتاب المقدمة تصريح واضح بأن مقدمة الكتاب كانت في الأساس مقدمة في منهج علم التاريخ الذي أراده أن يكون "القانون في تمييز الحق من الباطل في الأخبار بالإمكان والاستحالة"، لأن "طبيعة التاريخ أنه خبر عن الاجتماع الإنساني الذي هو عمران العالم... وسائر ما يحدث في ذلك العمران بطبيعته من الأحوال." وهذا يعنى بصورة كافية للحكم على أن المقدمة أصبحت بذلك تأسيساً لعلم الاجتماع، وأنها ما وصل إليها فيها كان "مستحدث الصنعة.. ومستنبط النشأة... ولعمري لم أقف على الكلام في منحاه لأحد من الخليقة."

أما إيميل دوركهايم فقد ولد في فرنسا1858 م لأسرة يهودية متدينة. وهناك ثلاثة عوامل شكلت تفكيره هي: عقلانية ديكارت، ووضعية أوجست كونت، ونظرية التطوّر. وله من الكتب: تقسيم العمل الاجتماعي، وقوعد المنهج في علم الاجتماع، والانتحار، والتربية الخلقية، والصورة الأولية للحياة الدينة، وعلم الاجتماع والفلسفة. يتكون المجتمع عند دوركهايم من: نظم وقواعد السلوك والظواهر أو الوقائع المتكررة التي تصف السلوك الجماعي، والقوى العقلية أو التيارات الفكرية الثقافية التي توجه السلوك وتفسره. ويتكلم هنا عن الضمير الجمعي الذي هو مجموعة المعتقدات والمشاعر المشتركة لدى متوسط أعضاء المجتمع الواحد التي تشكل نظاماً اجتماعياً محدداً. والدين عنده جوهر الوجود الجمعي للبشر، وبداية لكل الثقافات والحضارات، وهو ليس وهماً.

ولعل كتابات دوركهايم مفيدة في معرفة أصول علم الاجتماع المعاصر، لكن لا بد من ملاحظة نزعته المحافظة، وتأثره بظروف عصره الذي كان فترة تفكك اجتماعي، وتعميماته الناتجة من محدودية خبرته في المجتمعات الأخرى غير المجتمع الأوروبي، واعتقاده بجبريّة الظاهرة الاجتماعية وتلقائيتها وتغييب فاعلية الإنسان والحكم بسلبيته.

وبعد أن أنهى الدكتور محاضرته عقب الحضور بأسئلة حول: كيفية توظيف العلوم الإجتماعية في التغيير ونهضة المجتمعات، ومن الذي يحدث التغيير الفرد أم الجماعة. وتساءلوا عن دور المراكز البحثية في علم الاجتماع في الوطن العربي، وعن دور الإعلام في علم الاجتماع. ومن أبرز ما جاء في إجابات الدكتور ملكاوي، التنويه بعنصري الحضارة وهما الثقافة والمدنية، أي الجانب المعنوي والجانب المادي، وضرورة التكامل بينهما، ونظرية مالك بن نبي في عناصر الحضارة الثلاثة وهي (إنسان= الإمكانات البشرية، وتراب= الإمكانات المادية، وزمن= النضج في الخبرة والتراكم والبناء المرحلي) إضافة إلى شرط وجود العامل المساعد وهو الدين الذي يمثل الشعلة الروحية التي تصهر هذه العناصر الثلاثة وتؤدي إلى تفاعلها. كما نوّه بأن أي البذرة الأساس في أي عملية تغيير إنما تبدأ من فرد، يقوم بالمبادأة ويستجمع الإرادة، ويحمل على عاتقه مسؤولية، ويتولى الإبداع في بناء الرؤية وتنفيذها. والأنبياء مثال على ذلك، وجوائز نوبل تُعطى عادة لأفراد، وفي كل علم من العلوم نتذكر إسهامات أفراد وتتسب النظريات والاكتشافات إليهم. فأي تغيير يجب أن يبدأ من نقطة ما وهي (الفرد).

وعن دور الإعلام أجاب الدكتور ملكاوي، بملاحظة الدور المتميز الذي يحتله الإعلام المعاصر، الذي أخذ يتجاوز في أهمية تأثيرة وصياغته للشخصية وتشكيله للثقافة السائدة، أدوار المؤسسات الأخرى، مثل الأسرة والمدرسة. ومع أنه لا يمكن ولا يجوز إهمال دور التربية والتعليم في البناء والنهوض والتغيير الحضاري فإنه لا يمكن ولا يجوز إهمال الأثر السلبي أو الإيجابي للإعلام المعاصر في تحديد دور المؤسسات الأخرى. يجدر الإشارة أن هذه المحاضرة كانت الفعاليـّة الأولى ضمن سلسلة فعاليات ملف "النظام الاجتماعي" التي يقدمها قارئ النهضة لهذا العام.