ابحث  
 
 
     
 

مقالات حديثة | فئات | ابحث

دور الأسرة في مواجهة التحديات المعاصرة
10 ديسمبر, 2010 :: 8341 Views
 

 

 

مقدمة:

الأسرة هي المحضن الأول للطفل والذي بدوره سيُكون المجتمع. والمجتمع يصلح بصلاح الأسرة وينهار بانهيارها. والأسرة هي رمانة الميزان لسعادة الأمة أو تعاستها. ولا ينجح مجتمع بما حققه من إنتاج صناعي أو تكنولوجي بقدر ما ينجح في تكوين أسرة متكاملة متعاونة سليمة البنيان عفية في أبنائها، قوية في أخلاقها محافظة على قيمها.
وإذا نظرت إلى أي مجتمع عوقب بسنن الله إلا وتجد الأسرة فيه قد فشلت في أداء مهمتها }أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلاَدِ وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ{ (الفجر: 13) فهنا يصف المولى جل شأنه الحضارات السابقة بالعظم والقوة والتمكين ولكن كيف انهارت؟ انهارت لكفرها بأنعم الله ولا يحفظ إيمان الأبناء إلا أسرة مؤمنة بأنعم الله.
الغرب الآن لن ينهار لقلة علم أو ضعف في الإمكانات ولكن سينهار لضياع الأسرة، فلم تعد هناك أسرة بل مثليين شواذ يقيمون علاقات شاذة يسمونها زواج، ويتخلون في الغرب عن الإنجاب فشاخ الغرب كما تقول دراسة حديثة وأغلقت الكثير من دور الحضانة ومدارس التعليم الأساسي لعدم وجود أطفال.
وهكذا يريدون بنا ونحن نتبعهم إتباع الموجة للموجة عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لتتبعن سنن من كان قبلكم شبراً شبراً وذراعاً ذراعاً حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم. قلنا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟ ". [رواه البخاري].
أخوف ما أخاف عليه لأمة رسول الله صلى الله عليه وسلم  ليس الفقر ولا تأخر التقدم بقدر ما أخاف عليهم من ضياع الأسرة وانهيارها.
ومن أجل ذلك كان الموسم الثقافي لمركز الدراسات المعرفية لعام 2010-2011 حول "دور الأسرة في مواجهة التحديات المعاصرة"، والذي تشرف بالمحاضرة الافتتاحية بنفس عنوان الموسم الجديد للأستاذ الدكتور/ عبد الحميد أبو سليمان – رئيس المعهد العالمي للفكر الإسلامي.
افتتح أ.د. عبد الرحمن النقيب – المستشار التربوي لمركز الدراسات المعرفية الموسم قائلاً أن الموسم هذا العام ينصب على الأسرة لأنها من أهم المؤسسات التي تساهم في تشكيل الإنسان وبجوارها المدرسة والجامعة والإعلام وتظل الأسرة لها مركزيتها، ويؤمن محاضرنا وهو غني عن التعريف أن الأسرة هي مفتاح التغيير في حياة الأمة.
وبدأ د. عبد الحميد حديثه بأن موضوع المحاضرة هو أخطر موضوع يمكن للدائرة الثقافية والفكرية والاجتماعية أن تركز عليه، وأن محاولاتنا في مواجهة التهديدات منذ عصر السلطان سليم الأول، وحسب كلام المهتمين والمثقفين أن الهوة بيننا وبين الآخر تتسع أي أننا نتأخر، وأوضاعنا السياسية والاجتماعية والاقتصادية رديئة، وهي مظاهر بني إسرائيل الذين استعبدوا وما فعله الله معهم لابد أن يفعل معنا وإلا لن نخرج مما نحن فيه.
وأشار إلى أن ما وصلنا إليه لم يكن إلا من خلال فكرنا التقليدي الموروث فنحن صناعة التراث فما الذي حدث في هذا التاريخ؟ وجعلنا على هامش التاريخ أفراداً وليس جماعة.
وليس هناك من أية عوائق أو قلة موارد تمنع اجتماع الأمة على هدف واحد ولكن الواقع يدل على عكس ذلك، عكس الغرب الذي كان بين طوائفه وبلدانه الكثير من الدماء عندما أحس بحاجته إلى التوحد بادر وأنشأ وأنجز العديد من المؤسسات الفاعلة مثل الاتحاد الأوربي.
وتساءل أ.د. عبد الحميد عمن في المجتمع الذي يمكن أن يحدث التغيير رغم أنفه؟ وأجاب: هم الوالدان إذا وجدا الدعم الكافي لهذا الأمر وفطرياً وليس بالاختيار إذا عرفا ما فيه مصلحة أبنائهم وإذا عرفا كيف يفعلان ذلك يستطيعون حماية الأبناء من كل ما حولهم.
الأسرة بالنسبة للأمة مصدر التغيير وهو دور المفكرين والتربويين وإذا قصر هؤلاء في بلورة المفاهيم والرؤى والغايات المطلوبة للأسرة ستفشل الأسرة في أداء دورها.
وأضاف أ.د. عبد الحميد أن هناك مفاهيم في عصب تكوين الأسرة تشوهت من أهمها مفهوم الحرية فليس معنى الحرية أن أفعل ما أريد دون ضابط فالكون كله بني على مفهوم المنظومة له قواعد وحدود وإذا تجاهلت تلك القواعد والحدود انهارت المنظومة، وما دام الإنسان مدركاً الصح ويصر على فعله فهذه حرية أما إذا كان على غلط وأصر على فعله فهذه الفوضى بعينها، وكذلك المفهوم الثاني الذي تشوه مفهوم العبودية، والعبودية تؤخذ من مصدرين الاستعباد والتعبيد؛ الاستعباد إلغاء الإرادة وقهرها، والتعبيد أن يكون الشيء مريح وجميلاً وليس عبثاً أن القرآن الكريم استخدم في جمع عبد كلمة عباد الرحمن وفي ثلاث حالات استخدم كلمة عبيد، عند إتباع البشر طريق الغلط فهم يستعبدون إرادتهم لغير الحق وظلموا أنفسهم، فالخلط في المفاهيم ودلالتها يؤدي إلى أن يصبح الخطاب الإسلامي خطاباً مدمراً، خطاباً استعلائياً ولذا طالب د. عبد الحميد من المفكرين استعادة الرؤية الإسلامية الصحيحة وأن يستعيدوا المفاهيم ويدرسوا التراث ويفرقوا بين الغث والثمين منه.
ودعا أ. د. عبد الحميد إلى تفعيل القيم الإيجابية في حياة الأمة والأسرة فكيف يتسنى لأمة حرم عليها الكذب أن يكون ديدنة كثير من أبنائها الكذب، والغرب يعتبر الكذب فيه من الكبائر في مؤسساته المختلفة وما كذب بعض الساسة في الغرب ببعيد الذي أطاح بهم وبالأحزاب التي يمثلونها.
وبالنسبة لعدد من المشكلات الاجتماعية التي تعيق في كثير منها أداء الأسرة وفعاليته مثل مشكلة الطلاق أشار أ. د. عبد الحميد أبو سليمان أن واقع العصر يجب أن يحدد كيف يؤمن أفراد الأسرة ويعطى كل فرد حقه وألا تضيع الأسرة بطلاق يحدث أو شقاق بينهما.
وأكد أ. د. عبد الحميد أن الأم بالنسبة للأسرة والأطفال هي عنصر أساسي ومهم لبقاء الأسرة وامتدادها فحاجة الأم للطفولة والتربية أكثر من حاجة الرجل لذلك، وإذا فرضنا جدلاً – بعيداً عن أحكام الدين أن الرجل استطاع أن يحصل على حاجته الجنسية دون حمل مسؤولية أسرية ستنهار الأسرة ولذا يجب أن يكون في جوهر وعي الأمة ووعي التشريع أن الجنس الحرام يجب أن تسد أبوابه بكل الوسائل وإلا ستنهار الأسرة مما يدفع المرأة للعمل لسد حاجات أبنائها وبالتالي سوف تنشغل عن تربية وتوجيه أبنائها وتضيع لبنة من لبنات تكوين الأمة.
ودعا أ.د. عبد الحميد المفكرين العودة إلى القرآن الكريم وأن يتمثلوا سيرة السلف الصالح ويستقوا منها الدروس والحكمة لكي يقيموا نظام أسرة يستجيب لحاجة الرجل والمرأة والطفل في واقع العصر وبغير ذلك لن تستطيع الأسرة أداء أدوارها وستنهار الأمة.
وأكد على أهمية الدعوة بالحسنى والكلمة الطيبة والاهتمام بالتعليم الديني وتعليم القيم وأكد أ. د. عبد الحميد أن أقرب نظام للنظام الإسلامي هو نظام الدولة المدنية الإسلامية – البعض يسميها علمانية – فعندما يتكلم الحاكم باسم المقدس سيفرض كل شيء علينا فرضاً ولكن عندما ترفع يد السلطة التنفيذية عن التعليم الديني وتقدم الأحزاب برامج بدون مسميات إسلامية أو غيرها بل برامج تلتصق بحاجات الناس وهنا يتفق فيها المسلم وغير المسلم وتضبط ونلتزم بها سيكون الأمر مفيداً في تكوين الأسرة واستمرارها.
وفي نهاية المحاضرة دعا أ. د. عبد الحميد إلى إصلاح الأسرة وأن المسئول هو التربوي والمفكر، ودعا إلى أهمية أن يحصل أئمة وخطباء المساجد على دراسات تربوية ويعرف الوالدين كيفية تربية أولادهم، كذلك إدراك علاقة القرآن الكريم والسنة النبوية بالزمان والمكان فنحن نستطيع أن نصلح أحوالنا وأحوال الإنسانية جمعاء فالخطاب القرآني للكون كله، وتمنى أن نضع ذلك نصب أعيننا وندرك أهمية تنزيله على واقعنا المعاصر. والله الموفق
 

 
     
   
 
حقوق النشر محفوظة للمعهد العالمي للفكر الإسلامي 2009   خارطة الموقع | اتصل بنا | شروط الخدمة | سياسة الخصوصية | دخول