ابحث  
 
 
     
 

مقالات حديثة | فئات | ابحث

مؤتمر التكامل العلمي
13 اكتوبر, 2010 :: 5084 Views
 

ورقة قُدِمَت نيابة عن د. عبد الحميد أ[بو سليمان في مؤتمر التكامل المعرفي في كوالالمبور، ماليزيا في 5-7 أكتوبر 2010.

 الإخوة والأخوات، السادة والسيدات:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

بداية، باسمي، وباسم المعهد العالمي للفكر الإسلامي، أشكر هذه المبادرة المهمة التي قام بها اتحاد الجامعات الإسلامية والجامعة الإسلامية العالمية في ماليزيا بجمع مراكز البحث العلمي في جامعات العالم الإسلامي، بعقد هذا المؤتمر الدولي في رحاب الجامعة الإسلامية العالمية لبحث قضايا التعليم العالي والبحث العلمي والتشاور فيما يمكن أن يسمى أزمة التربية والتعليم والبحث العلمي في بلاد العالم الإسلامي.
أيها الحضور الكرام:
نحن جميعاً نعلم، أن الأمة الإسلامية، هي في حالة أزمة وجود، بعد أن كانت أمةَ إصلاحٍ، ورائدةَ تجديدِ، وبانيةَ حضارةٍ استخلافيةٍ علميةٍ إعمارية.
إنه لمن حسن الخيار أن يعقد هذا المؤتمر في رحاب هذه الجامعة، التي هي تعبير حيٌّ، عن الإصلاح المنشود في تطوير برامجها المنهجية، وذلك بالأخذ في هذه المرحلة، بالاختصاص المزدوج، الذي يجمع بين جانب القيم والرؤية الكونية الإسلامية الحضارية، وبين التخصص العلمي الذي يرغبه الطالب في دراسته، والذي تعبر عنه أفضل تعبير "كلية معارف الوحي الإسلامي والعلوم الإنسانية".
وتبعاً لذلك يكون أهم أولويات دور البحث العلمي في هذه المرحلة هو  البحث العلمي في تراث الأمة، لفرز سمينه من غثه، والإفادة بذلك من السمين، بفهم أسباب نجاحه، ضمن ظرفه الزماني والمكاني، وحتى – بذلك - يُعاد على ضوء الدراسة العلمية، بناءُ الرؤيةِ الكونية الحضارية القرآنية، وإعادة بناء الخطاب الإسلامي الإيجابي، وإزالة ما لحق بهما من تشوُّهات، تقفُ وبلا شكّ،  خلف جُـلُّ ما حَـلَّ بالأمة، في لاحق تاريخها، من تدهورٍ وانحطاطٍ وفسادٍ، في أنظمتها الاجتماعية والإعمارية.
وإذا كانت أولوية البحث العلمي في هذه المرحلة، هو التراث، فذلك يتمّ يداً بيد، إلى جانب البحث في مجالات العلوم المعاصرة، ولاسيما مجالات العلوم الاجتماعية، وذلك لفصل ما حققته الجهود العلمية المعاصرة في هذه المجالات، من حقائق علمية، وواقع معاصر يتعلق بتغير سقوف المعرفة، والإمكانات الإعمارية الحياتية، وأن يقوم بإعادة توظيفها وتطويرها بالبحث العلمي الإبداعي؛ لخدمة الرؤية الكلية الحضارية القرآنية، استنهاضاً للأمة، وإحياءً لها، واستنقاذاً للإنسانية من مظالم حضارة قانون الغاب المادية المعاصرة، هدايةً وترشيداً وسيادةً لمبدأ العدالة والسلام.
أيها الحضور الكريم:
إن هذه القضايا الجوهرية لنهضة الأمة الإسلامية، وترشيد الحضارة الإنسانية المادية المعاصرة، هي السبب في إنشاء المعهد العالمي للفكر الإسلامي وما سبقه وما واكبه من نشاطات ومؤسسات فكرية وثقافية، أسسها أو أسهم في تأسيسها قيادات المعهد، بما في ذلك اتحاد الطلبة المسلمين في الولايات المتحدة وكندا (الجمعية الإسلامية لأمريكا الشمالية لاحقاً) وجمعية علماء الاجتماع المسلمين، وجمعية العلماء والمهندسين، والندوة العالمية للشباب الإسلامي، والجامعة الإسلامية العالمية في ماليزيا.
إن مراكز المعهد العالمي للفكر الإسلامي والمراكز المتعاونة معه، والتي تزيد على ستة عشر مركزاً، تمتد في بلاد قارة آسيا وأفريقيا وأوروبا وأمريكا الشمالية، وأنتجت نشاطاته الفكرية والبحثية، التي استهدفت في هذه المرحلة جامعات العالم الإسلامي والأساتذة الجامعيين على وجه الخصوص لموقعهم الإستراتيجي في تطوير التعليم الجامعي وإصلاحه، والتي أنتجت، من خلال مئات المؤتمرات والندوات والمحاضرات والأبحاث، مئاتِ الكتب، والتي تُرجِم الكثير منها إلى اللغات العالمية، وإلى العديد من لغات شعوب العالم الإسلامي، كما حملتْ رسالةَ المعهدِ وفكرِه دوريَّتان عِلْميَّتان محكمتان هما مجلة إسلامية المعرفة باللغة العربية، والمجلة الأمريكية للعلوم الاجتماعية الإسلامية باللغة الإنجليزية، والتي جاوز عمر إصدارها اليوم أكثر من ربع قرن من الزمان.
إن صلاح المنهج العلمي والتعليمي، وحسن توجيه البحث العلمي، في هذه المرحلة، هو من أهم ما يجب فهم رسالته، من قادة جامعات العالم الإسلامي، وقادة المراكز العلمية.
وإن من المهم أن نؤكد أن على جامعات العالم الإسلامي وعلى مراكز البحث العلمي، الاهتمام بالأمراض النفسية التربوية أيضاً، والتي نجمتْ عن تشوُّه الرؤية الإسلامية، وتشوُّه الخطاب الإسلامي، حتى تمكَّنت أمراضُها من أبناء شعوب الأمة الإسلامية، من سلبيةٍ، وفرديةٍ، وأنانيةٍ؛ وبذلك تدهورَ السلوك الأخلاقي في واقع الممارسات الإنسانية والاجتماعية والسياسية في واقع حياة شعوب الأمة، وانتهى إلى ما نرى من حال الأمة، وانهيار حضارتها ودورها الإنساني المحوري الراشد .
أيها الإخوة والأخوات الكرام:
 لهذه الأسباب، وبهذه الرؤية، اهتمت برامج الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا، التي نحن في رحابها بمناهج تربية طلابها ومناهج نشاطاتها الطلابية بهذه المجالات؛ إذ طوَّرت مقرراً في التربية الوالدية، ومقرراً في الفكر الإبداعي وحل المشكلات؛ حتى يعرف الخريجون والخريجات، كيف يربون أبناءهم، على الإيجابية، والعقلية النقدية الإبداعية، وحتى يتعاملوا معهم على أساس منهج خطاب الإقناع والتشجيع واحترام الطفل، بعيداً عن خطابات الوعيد والتهديد، وخطاب الفوقية والسلطوية، التي تدمر نفسية الطفل، وتقضي على قدرات المبادرة والإبداع والإتقان، تنمي فيه نفسية العبد خوفاً وسلبيةً وفرديةً وأنانيةً. كما طورت مقرراً في قيام الحضارات وانهيارها.
إن من المهم أن نتذكر أيضاً، أن هذا الصرح العتيد، الذي نحن في رحابه، قد جعل ثقافة الحوار والمناظرات، نشاطاً طلابياً عاماً، ينمي في هذا الشباب، وفي قيادات المستقبل، القدرةَ على التواصل مع الآخرين، وعلى العمل الجماعي، وعلى تقديم نموذج ناجح في إشاعة روح الفريق بين أبناء الشعوب الإسلامية وقياداتها، وهو في ذات الوقت يعين على تطوير الخطاب الدعوي والإعلامي الإيجابي الفعَّـال، المنبعث من إرادة الأمة والهادف إلى ترشيد مسيرتها ورعاية مصالحها، والذي نحن والعالم اليوم في أشد الحاجة إليه.
أيها الإخوة والأخوات والسادة والسيدات:
أمامنا، وأمام جامعاتنا، وأمام مراكز البحث العلمي، في بلاد شعوبنا مهمة مقدسة عُليا لخدمة الأمة واستنهاضها، وخدمة الإنسانية وتجديد حضارتها، وإعادة بناء حضارةِ الإخاءٍ والعدلٍ والتراحمٍ والسلام؛ وذلك بما نبذله اليوم من الجهود العلمية، لاستعادة رؤيتنا الروحية الحضارية، وإحسان تربية أبنائنا وبناتنا، وإصلاح مناهج تعليمهم، قِـيَـمِيّـاً، وعلمياً، ومهنياً، في جميع مراحل تنشئتهم وتعليمهم، وبغير ذلك لا يكون إصلاح ولا تغيير.
أيها الإخوة والأخوات:
إن مما يسرني أن أزفه إليكم اليوم من الأخبار، في وقت عَـزَّ فيه الخبـرُ السـار، أن المعهد العالمي للفكر الإسلامي سيسهم في المجال الذي يحقق مزيداً من تطوير التعليم العالي مجدداً؛ وذلك بالمساهمة في إنشاء جامعة جديدة هي جامعة الشرق في لبنان؛ وذلك لتحقيق مزيد من العمل والتطوير لمناهج التربية والتعليم والبحث العلمي، وهو على أتم الاستعداد، للتعاون العلمي مع الجميع، في جميع مجالات البحث العلمي كافة، ولاسيما في مجالات الفكر الإسلامي المعاصر، وخاصة في إصلاح مناهج التربية والتعليم، وإعادة بنائها من منظور الرؤية الإنسانية الحضارية القرآنية، وما يستتبع ذلك من أبحاث حضارية مقارنة للحضارة الإسلامية والحضارات الإنسانية عامة، ولاسيما الحضارة المادية المعاصرة على وجه الخصوص
إننا في المعهد العالمي للفكر الإسلامي، وفي جامعة الشرق، نسعى مع كل ما نستطيعه من تطويرٍ في مناهج التربية والتعليم، إلى إيجاد مزيدٍ من الشباب القيادي الناجح، والذي نرى أمامنا نموذجاً حياً، مِمَّنْ حظي بالتعليم والتربية بالفعل، في هذه الجامعة العتيدة التي نحن في رحابها، والذين أصبح الكثيرون منهم، وهم في صدر شبابهم، وزراء وقادةً في بلادهم، في مختلف المجالات السياسية والدبلوماسية والاقتصادية.
كما لا يخفى عليكم، أيها الإخوة والأخوات، ما حققه ويحققه طلابُ هذه الجامعة شباباً وشابات، في مباريات المناظرات التي يشاركون فيها، من نجاحات مرموقة، على المستوى المحلي، وعلى مستوى جنوب شرق آسيا، وعلى مستوى آسيا وأفريقيا، بل وعلى المستوى العالمي، في قدرة التفكير، وقوة الحجة والمنطق، ومهارة التواصل مع الآخر، والتي هي ضرورية للتقدم والقيادة والريادة.
أشكر الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا، كما أشكر اتحاد جامعات العالم الإسلامي على هذه المبادرة، وهذا المؤتمر، وأرجو أن لا نتأخر، وأن لا نتقاعس عن البدء الناجز، في تنظيم آليات التعاون والتواصل بين جامعاتنا ومراكز البحث العلمي في بلادنا، وألا ننصرف اليوم، قبل أن يتمَّ تشكيل مجلس أعلى من مديري الجامعات ورؤساء مراكز البحث العلمي؛ وذلك لرسم السياسات، وتحديد سبل التعاون، وكذلك تشكيل لجنة تنفيذية مهمتها البدء بالعمل الجاد الفعَّـال، وتوزيع الأدوار، وتفعيل الآليات؛ لتأخذ مسيرة الإصلاح مداها الفعَّـال بإذن الله، على مستوى الأمة، وعلى مستوى عالم الإنسانية جمعاء.
لكم أيها الإخوة والأخوات أطيب التحية، والدعاء لجهودنا جميعاً بالتوفيق والرشاد والنجاح. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
                                                                                                                       عبدالحميد أحمد أبو سليمان
                                                                                                                     رئيس المعهد العالمي للفكر الإسلامي

 
     
   
 
حقوق النشر محفوظة للمعهد العالمي للفكر الإسلامي 2009   خارطة الموقع | اتصل بنا | شروط الخدمة | سياسة الخصوصية | دخول