ابحث  
 
 
     
 

مقالات حديثة | فئات | ابحث

اللقاء الثاني مع مجموعة الباحثين الشباب حول"أزمة الأمة: طبيعتها وخصائصها"
30 سبتمبر, 2010 :: 5459 Views
 
ضمن سلسلة اللقاء الدورية التي يعقدها المعهد العالمي للفكر الإسلامي مع مجموعة الباحثين الشباب بهدف دراسة بعض قضايا الفكر الإسلامي، حظي اللقاء الثاني الذي عقد مساء الأحد 26 سبتمبر2010م بحضور كل من الأستاذ الدكتور عماد الدين خليل أستاذ التاريخ الإسلامي في جامعة الموصل، والأستاذ الدكتور عبدالرحمن حللي أستاذ التفسير وعلوم القرآن في جامعة حلب.
حيث تمّ تكليف جميع الباحثين بقراءة الفصل الأول من كتاب "أزمة العقل المسلم" للدكتور عبدالحميد أبو سليمان، ومحاضرة الدكتور طه جابر العلواني عن "الأزمة الفكرية المعاصرة"، وكتاب "مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي" للمرحوم مالك بن نبيّ.
رحب الدكتور فتحي ملكاوي بالحضور وعرف بالضيفين، وأوضح طبيعة هذه اللقاءات وأهدافها، وأشار إلى أهمية إتاحة فرص للباحثين الشباب للتحدث مع آخرين، عن قضايا وهموم الأمة وما ينتاب شبابها من قلق معرفي أزاءها، وأكدّ أن الفرصة اليوم متاحة للشباب ليعرضوا تصورهم لأزمة الأمة في ضوء القراءات المشار إليها والانطباعات التي كونوها عن هذه القراءات.
بدأ اللقاء بحديث للدكتور همام يحيى أحد أعضاء الفريق، حيث أوضح سبب اختيار هذا الموضوع وتفاعلهم معه، فأشار إلى أنَّ الواقع الذي نعيشه مخالف لما نتمناه، فصور الحضارة القائمة في العالم الإسلامي، ينبغي أن تكون قائمة على أساس الدين الصالح لكل زمان ومكان، في حين أن الأمة الآن متخلفة عن الحضارات السائدة في بلدان كثيرة أخرى لا تعرف هذا الدين، لذا لزم البحث عن جذور هذه الأزمة، وتتبع المحاولات الجادة لحلها، واخترنا هذه الكتب الثلاثة السالفة الذكر لارتباطها المباشر بالحديث حول الأزمة، وأهميتها الخاصة ضمن أدبيات المعهد العالمي للفكر الإسلامي.
كما تطرق الدكتور همام للحديث حول كتاب "أزمة العقل المسلم" وتوصيفة للأزمة، فالإسلام عندما جاء أحدث ما هو أكبر من الثورة على النظام الطبقي الاجتماعي السائد في مكة وعلى الأفكار والمعتقدات الوثنية وعلى النظام الاقتصادي..إلخ، فأوجد الإسلام بهذه الثورة مجموعة من المقاصد الشرعية والمفاهيم الكفيلة بإنشاء حضارة إسلامية امتدت لقرون ذهبية عديدة.
ومع عودة المكونات العصبية والقبلية والتفكير الأعرابي خبت جذوة الإسلام التي أوجدها الجيل الأول من صحابة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، الذين كان كبارهم طبقة واحدة يسودها التآلف والتكامل، وتتمتع بالتقدير والاحترام من سائر الأمة. ثم أشار إلى أمثلة من صور التناغم بين القيادتين الفكرية والسياسية، في التاريخ الإسلامي، وصور أخرى للصدام بين القيادتين، ونوه المتحدث بما أشار إليه أبو سليمان من أن القيادة السياسية أصبح يحكمها البراغماتية والتمسك بالسلطة والتوريث وغيره.
كما أوضح الدكتور همام ضرورة توضيح ما نعنيه من أن أزمة الأمة هي أزمة فكر، الأمر الذي يستدعي توضيح مكونات هذا الفكر ومنها المكونات العقلية الفطرية، والنوازع النفسية، والوساوس الشيطانية، والتوفيق الرباني، والمهارات العقلية المكتسبة من نقد وتحليل وتركيب.
بيّن المهندس أسامة غاوجي –أحد أعضاء الفريق- أنَّ استدلال مالك بن نبي وطريقته أكثر إقناعاً وتأثيراً، فهو في كتابه قد قسم العالم إلى ثلاثة عوالم: عالم الأفكار وعالم الأشياء وعالم الأشخاص. وتحدث عن الرابطة بين هذه العوالم الثلاثة، وضرب مثال عالَم الأمازون وعالَم ألمانيا كون الأول يمتلك أفكاراً وأشياء متخلِّفة، والأخر يمتلك أفكاراً وأشياء متقدمة، لكن الأزمة كامنة في عالم الأفكار رغم التأثير المتبادل بين هذه العوالم الثلاثة. لذلك فإن الإصلاح يبدأ فقط في عالم الأفكار.
ثم أشار غاوجي إلى العهد النبوي والنقلات التي نقلها القرآن الكريم للمجتمع فكرياً ومنهجياً ومعرفياً، كذلك ظهور البعد القيمي الخالص الذي جاء به الإسلام وتطبيقاته الحية في النظم الاقتصادية والسياسية والاجتماعية وغيرها ولم تكن هذه القيم قيماً مجردة بل كانت مطبقة فعلياً على أرض الواقع، وتساءل أخيراً هل الأزمة ناشئة من دواخلنا أو من ظروف خارجية؟
الأستاذ يونس الجعبري – أحد أعضاء الفريق- طرح تساؤلاً حول سبب التحول في المجتمع الإسلامي من مجتمع راشدي إلى مجتمع متناحر، وكيف لنا أن نعالج جذور الأزمة؟
الدكتور رائد عكاشة تساءل لماذا نفترض أن الأزمة التي تعانيها الأمة اليوم هي أزمة فكرية، فالأزمة على مر التاريخ لم تكن طيفاً واحداً، بل هي أطياف، وكل طيف منها يصبغ مجتمعاً ومكاناً وزماناً مختلفاً عن الآخر، فقد تكون الأزمة سياسية، أو تربوية، أو اقتصادية، أو أزمة إرادة ووجدان، إلخ. ومن الاهمية بمكان أن نعي دور الزمان والمكان والمجتمع في بلورة المصطلح أو تشخيص الأزمة، ولعل هذا يصدق على هذه الكتابات الثلاث؛ التي كتبت في مراحل وإن جمع بينها خبرة المؤلفين بكل من المجتمع الغربي والمجتمع الإسلامي. وإذا كان المعهد يرى أن الأزمة هي أزمة فكر، فأين تقع صور الأزمة الأخرى؟ ثم إن الفكر "الإسلامي" الذي نتحدث عنه له أسسه وآلياته ومنطلقاته. وعندما نقول فكر إسلامي فنحن ننطلق من الرؤية الكلية للوجود أو رؤية العالم، وهذه الرؤية تتضمن التكامل المعرفي، في مصادر الفكر وأدواته، وتتطلب الجمع بين المعرفة الأصولية: أصول الدين وأصول الفقه من جهة، والمعرفة المعاصرة في ميادين العلوم المختلفة ولا سيما العلوم الاجتماعية، التي تبني فكر الأمة، ثم الانطلاق من هذا الجمع إلى التركيبة الخلاقة التي تحدث عنها المرحوم الفاروقي. وإذا كانت ثمة أزمة وإشكالية فهي في فهمنا الرؤية الكلية وإتقاننا للتكامل المعرفي، وهذا ما يسوغ القول بضرورة إصلاح الفكر الإسلامي كما عبر عنه الدكتور العلواني.  
وقدم الدكتور عماد الدين خليل مداخلة جاء فيها أن الأمة تعيش حالة من الانكسار الحضاري، وأنه ميز في إحدى دراساته واحداً وعشرين سبباً لهذا الانكسار؛ عشرين منها من أسباب داخلية وسبباً واحداً خارجياً. وركز على ضرورة العمل المستمر لنسج المشروع الإسلامي بتظافر جهود الجميع، كل حسب قدرته واستطاعته، وعدم الشعور بالإحباط واليأس إذا كانت النتائج غير ملموسة اليوم، مستشهداً بقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة فإن استطاع أن لا يقوم حتى يغرسها فليفعل" دلالة على العمل المتواصل.
وبيَّن الدكتور عماد الدين أن الأزمة ليست أزمة الأمة الإسلامية فحسب، وإنما هي أزمة الحضارة الإنسانية المعاصرة في جميع أنحاء العالم. وأن حل أزمة الأمة الإسلامية هو إسهام جوهري ضروري لحل أزمة العالم. وكثير من العلماء والمفكرين يؤكدون على أن المشروع الإسلامي قادم لا محالة، ومن هؤلاء: روجية جارودي، ومارسيل بوازار، ومراد هوفمان، وديوبولد فايس، وغوستاف لوبون، فهم يجمعون على عودة هذا الدين للصدارة؛ لأن جميع البشرية في أزمة، فقد سقطت الفاشية وسقطت النازية، وظهرت ملامح سقوط الرأسمالية في الأزمة الأخيرة، وعلى الرغم من أن مجتمعاتنا متخلفة كما نرى الآن إلا أنها تمتلك البعد الإنساني والإخلاقي الذي يحتاج العالم إليه ليستكمل به البعد المدني المادي.
وأخيراً رفض الدكتور عماد الدين التفسير الأحادي للأشياء، فأزمة الأمة ليست أزمة فكرية فقط، أو أزمة تربوية فقط، بل هي أزمة مركبة وعلينا العمل في مجالات الإصلاح كافة.  
الدكتور عبد الرحمن الحللي بدأ حديثه بالتنويه بمبادرة مكتب المعهد في الأردن في الاستماع إلى هموم الشباب وتساؤلاتهم، وإتاحة المجال لهم للتعبير عنها. ورأى أنّ أزمة الأمة هي أزمة شاملة وعامة، لكن علينا ترتيب أولوياتنا في تشخيص الأزمة، فالذي يرى أن الأزمة هي أزمة فكرية، فهو يرى أنها الأزمة المحورية التي بها تحل مجموعة الأزمات الأخرى، فإذا عالجنا الأزمة التربوية أو الاقتصادية دون علاج الأزمة الفكرية فسيكون العلاج قاصراً.
ثم أشار الدكتور الحللي إلى أن التفكير بالأزمة هو تفكير بالحل، ليس من خلال الحلول الجاهزة أو المعلبة أو المستوردة، وبما أنَّ الأزمة هي أزمة حضارية فهي تحتاج إلى حلٍّ حضاري، مؤكداً على ضرورة القراءة النقدية للكتب، مع التركيز على وضع هذه القراءة في سياقها التاريخي مع الشمول في النظر.كما ركز الدكتور الحللي على ضرورة الاهتمام بالرؤية الكلية للعالم، فالأحكام الفقهية الكلية والفرعية عند الفقهاء كانت تنطلق من رؤية وفلسفة حاكمة، ومثال ذلك أحكام العمران في كتب الفقه؛ إذ نرى إلى أي مدى اهتمت بحقوق الإنسان مع البيئة والآخر، وفي الطب وغيره فهذه القيم الحاكمة لم تكن فردية بل كانت شاملة لجوانب الحضارة.
الدكتور فتحي ملكاوي أوضح السياق المكاني والزماني للأوراق الثلاث التي قرئت؛ فكتاب "بن نبي" كتب في الستينيات، وكتاب "أبو سليمان" في الثمانينات ومحاضرة "العلواني" كانت في التسعينيات من القرن الماضي، ولا بد من قراءتها في سياقاتها، ولو استمعنا لأي منهم الآن فربما نسمع صياغة للأزمة تختلف عن الصياغات الواردة في هذه الكتابات.  
والذين أسسوا المعهد العالمي للفكر الإسلامي كانوا قد بذلوا عقوداً من أعمارهم في إنشاء المؤسسات المتنوعة، في العمل الطلابي والشبابي والدعوي والإداري والخيري والاستثماري والتدريس الجامعي... ، ثم اختاروا أن يتفرغوا للعمل العلمي والفكري، من خلال مؤسسة المعهد، وبالتعاون مع مؤسسات أخرى ذات اهتمام مشترك. منطلقين من رؤيتهم لمركزية العمل الفكري. وإيمانهم بأهمية التخصص في العمل. أما مظاهر التأزم في واقع الأمة التي تتبدّى في أكثر من جانب فأمر لا يستطيع أحد إنكاره، والعمل لإصلاح واقع الأمة مطلوب في هذه الجوانب جميعها.
فمركزية القضية الفكرية لا تعني إهمال أو إنكار صور التأزم الأخرى السياسية والاقتصادية والتربوية والعقدية. ومع ضرورة الوعي على خطورة تضخيم بعض الصور وإعطائها حجماً أكبر من حقيقتها، فإننا نعتقد أن بعض مجالات الأزمة يمثل سبباً للتأزم في المجالات الأخرى، وأن الأزمة الفكرية هي أساس لظواهر التأزم الأخرى. ولكن فإنّ جهود الإصلاح يجب أن تتناول جميع هذه الجوانب ويتوجه كل مصلح إلى المجال الذي يحسنه، فكل ميسر لما خلق له، على أن يتعاون الجميع في تحقيق الهدف المشترك لهم جميعاً وهو إصلاح واقع الأمة، وأخذ موقعها في ساحة الفعل الحضاري المعاصر، وترشيد الحضارة الإنسانية.

 
     
   
 
حقوق النشر محفوظة للمعهد العالمي للفكر الإسلامي 2009   خارطة الموقع | اتصل بنا | شروط الخدمة | سياسة الخصوصية | دخول