ابحث  
 
 
     
 

مقالات حديثة | فئات | ابحث

العقل القرآني: محاضرة للدكتور معاذ سعيد حوى
24 اغسطس, 2010 :: 5751 Views
 

عقد المعهد العالمي للفكر الإسلامي/مكتب الأردن محاضرة بعنوان: العقل القرآني، ألقاها الدكتور معاذ سعيد حوى، وذلك في حفل الإفطار الرمضاني، الذي يعقده المعهد كل سنة لزملائه. وتكلم فيها المحاضر عن أهمية طرح هذا الموضوع والحديث فيه. وبيّن باختصار تعريف العقل، وأن وظيفته الأساسية هي التفكير للتوصل إلى الحق، وأنه لا بدّ لكل إنسان من أن يستعمل هذا العقل للتوصل إلى ما ينفعه في الدنيا والآخرة، لا أن يقصر تفكيره في شؤون الدنيا. 

ثم بيّن أنّ الانتفاع من العقل لا يكون إلا باستعماله بحثاً عن الحقائق الكبرى المهمة، مع توجه النفس والقلب إلى طلب الحق والهداية، وأنَّ من لم يتوجه بقلبه إلى طلب الهداية فلن يصل إلى الحق، وأنَّه لا بدّ من أن يستعين بالآيات الكونية والقرآنية، ويدركَ المعجزات حتى يصل إلى الحق، وبيّن المحاضر أدلَّة ذلك كله من القرآن الكريم.

ثم تحدث عن معنى مصطلح «العقل القرآني»، فبيّن أنَّ القرآن الكريم يهتم بالعقل اهتماماً كبيراً، ويأمر باستعماله في إدراك الحقائق الكبرى، ولا سيما العقائد. فالعقل القرآني هو العقل الذي يربي القرآنُ الإنسانَ عليه وينشئه فيه. وقد يعني أيضاً الحقائق المعقولات التي في القرآن الكريم؛ طبيعتها وأوصافها وخصائصها، وأدلتها في القرآن، وماذا يتعلم البشر من هذه الخصائص والمنهجية، ليسيروا عليها وينتفعوا منها.

كما بين المحاضر أنَّ القرآن الكريم لم يورد لفط العقل اسماً، ولكنه يستعمل الألفاظ المشتقة منه، على وجهين: إما أنه يقصد عملية التعقل، أو يقصد المعقولات التي يصل إليها العقل، وبيَّن نماذج من الآيات التي وُجد فيها هذا الاستعمالان. كما أوضح أن القرآن الكريم يستعمل ألفاظاً مرادفة للتعقل، كالأفئدة والألباب والنُهى، أو قريبة منه، كالنظر والتفكير والتأمل والإبصار المعنوي، والتدبر والاعتبار والتفقّه والتذكر.

ثم تحدث المحاضر عن خصائص العقل القرآني: فأشار إلى خصيصة إقامة البرهان والحجة، وقوة تلك الحجة وسهولة فهمها. ومن خصائصه أن يخاطب العقل والقلب والجسد معاً، فالعقل هو الذي يجب أن يصنع وجهة القلب وميوله وهواه، فإذا لم يأخذ القلب عن العقل، فقد أخذ أوهاماً، فينحرف الجسد في سعيه وعمله، وبين أن الهداية متعلقة بالنفس فيتدخل في الوصول إليها مع العقل؛ القلب والجسد. فالعقل القرآني يربي الإنسان على الحقائق الثابتة، ويرفض للإنسان أن يعيش على الأوهام والتقليد. ومن خصائص العقل القرآني أنه لا يتعارض مع نتائج العقل البشري السليم، وإن كان العقل لا يوصِل إلى كل جاء به الوحي؛ لكنَّ العقل وسيلة لمعرفة صحة الوحي وصدقه. وثمَّة علاقة وثيقة بين العقل القرآني والسنن التي خلقها الله وأجراها في الواقع.

وأشار إلى خصيصة التكامل في البناء المنطقي القرآني، فهو يجيب العقل عن جميع الحلقات التي يجب أن يتساءل عنها الإنسان ويعرف إجابتها؛ من جاء به؟ ولماذا جاء؟ وما وظيفته؟ وما حق من جاء به عليه؟ وإلى أين مآله؟

وأشار إلى أن العقل القرآن يربط كل شيء بالمقاصد والحقائق الكبرى، فلا يجوز أن تكون الأحكام إلا لمن له الحكم والملك سبحانه، ولا يصح أن تكون تزكية إلا ضمن إطار العقيدة، ولا يصح أن يكون العمران إلا محققاً للمصالح الأخروية والدينية. وقد جمع الله تعالى بين هذه الأمور في قوله: ﴿ وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِوَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ ﴾ [هود: 61].

وتحدث عن وَهْم الانفصال بين العقل والوحي، فالعقل لا بدّ منه للتوصل إلى تصديق الوحي، ثم لا بدّ منه لفهم الوحي، ولا يكون العقل مناقضاً للوحي، ولا الوحي مناقضاً للعقل في نتائجهما؛ فالعقل لا يتنافر ولا يتقابل مع الوحي، بل يتطابق ويتكامل. وبيّن أدلة ذلك ومعناه وأمثلته.

وأشار خلال ذلك إلى أن بعض أصحاب المذاهب الاعتقادية الإسلامية يتهمون غيرهم بتقديم العقل على النص، في الوقت الذي نجدهم يتحكمون في التعامل مع النص، فيتعاملون معه بالعقل مثل غيرهم، وينسبون تصرفهم إلى النص، الذي هو قطعي، لا إلى تعقل النص، الذي هو اجتهاد وظن. وضرب على ذلك أمثلة من النصوص المتعارضة في الظاهر تعارضاً صارخاً، رغم قطعية ثبوتها، فهذا المذهب يأخذ ظاهر هذا النص، ويؤول النص الآخر، والمذهب الآخر يفعل العكس، وغيرهم قد يُعمِل العقل والتأويل في النصين المتقابلين. لكن أياً من هذه المذاهب لا ينجو من التأويل على الرغم من إنكار بعضهم للتأويل.

وبيّن المحاضر أن كل عالِم وكل اتجاه أو مذهب، له منهجيته العقلية في التفكير والتعقل والتعامل مع النصوص، وأن بعض الاتجاهات قد تقع في نسبة آرائها إلى النص مباشرة، وهي قد بنت تعاملها مع النص على أمر اجتهادي أو منهجية اجتهادية. وأن من واجب الجميع أن يحترموا بعضهم في مثل هذه المسائل، فيتعاملوا مع الآخرين بحسن الظن والإنصاف، لا بالتعصب والاتهام.

وأكد المحاضر وجوب اهتمام علماء الأمة بإظهار المنطق العقلي في عقائد الإسلام وتشريعاته، مع وجوب الاهتمام بالناحية القلبية والنفسية عند المَدْعُوِّين، لأنَّ كثيراً منهم يرفض الدعوة، لا لعدم قناعته، بل لمرض قلبي يحول بينه وبين قبول الحق، وبين المحاضر نماذج قرآنية ممن وصلتهم الدعوة، وبيَّن اللهُ أنهم علموا بالحق، ومع ذلك رفضوه لمرض عندهم بينه القرآن الكريم.

 
     
   
 
حقوق النشر محفوظة للمعهد العالمي للفكر الإسلامي 2009   خارطة الموقع | اتصل بنا | شروط الخدمة | سياسة الخصوصية | دخول