ابحث  
 
 
     
 

مقالات حديثة | فئات | ابحث

القيم في المنظومة التربوية: تأسيس نظري وتطبيقات عملية
01 مايو, 2008 :: 10331 Views
 
المحاضرة الشهرية لمركز الدراسات المعرفية في القاهرة
 
نظم مركز الدراسات المعرفية بمقره بالقاهرة يوم الثلاثاء 15/4/2008 محاضرة علمية في موضوع: القيم في المنظومة التربوية: تأسيس نظري وتطبيقات عملية للدكتور خالد الصمدي رئيس المركز المغربي للدراسات والأبحاث التربوية بالمدرسة العليا للأساتذة بتطوان والمستشار الأكاديمي للمعهد العالمي للفكر الإسلامي بالمغرب.
وقد تولّى الدكتور عبد الرحمن النقيب المستشار التربوي لمركز الدراسات المعرفية تقديم المحاضر وإدارة النقاش. وقد حضر المحاضرة جمع من الباحثين والتربويين من أساتذة الجامعات وطلبة الدراسات العليا.
تناول المحاضر بالدرس والتحليل أهمية موضوع القيم في واقعنا المعاصر، باعتباره محضن الهوية وحصنها، وبخاصة في سياق العولمة التي تحاول إلغاء الخصوصيات الحضارية والثقافية، كما أبرز أن الصراع في السنوات العشر الأخيرة تركز على القيم والمرجعيات، بعد أن كان الصراع في القرن الماضي ذا طابع عسكري واقتصادي، مما يجعل المجال مفتوحا أمام تحديات جديدة تتطلب رؤى جديدة في الفعل الحضاري للأمة الإسلامية.
وفي هذا السياق أبرز المحاضر الإشكالات التي تواجه مشاريع التربية على القيم، وأهمها طرح سؤال المرجعية من جديد مما لم يكن مطروحاً في ساحة النقاش الداخلي إلى عهد قريب، وكذا صعوبة الاشتغال بالتربية على القيم في ظل غياب رؤية شمولية ومشروع متكامل قابل للإنجاز والتقويم، كما أن الاشتغال بالتربية على القيم في المنظومة التربوية يظل مغيباً نظراً لمتطلباته العلمية والتربوية، التي تحتاج إلى متابعة وتخطيط محكم وطول نفس مع صعوبات في تقويم النتائج، على خلاف المعارف والمهارات التي يسهل بناؤها وتتبعها وتقويمها، ومن ثم ركز المحاضر على ضرورة بناء منظور متكامل للتربية على القيم يسهم في الإنجاز والتقويم على خطى واضحة ومنظمة، وتتحدد أركان هذا المشروع في إطار نظري وتطبيقات عملية.
أما الإطار النظري: فيقتضي معرفة الحقل الدلالي والاصطلاحي للتربية على القيم، وذلك من خلال مصطلحات أربعة هي: القيم، والمفهوم، والمرجعية، والمؤشرات، مع معرفة أوجه الترابط بين هذه المصطلحات.
فالقيم: معايير عقلية ووجدانية، تستند إلى مرجعية حضارية، تمكن صاحبها من الاختيار بإرادة حرة واعية، وبصورة متكررة نشاطاً إنسانياً ـ يتسق فيه الفكر والقول والفعل ـ يرجحه على ما عداه من أنشطة بديلة متاحة فيستغرق فيه، ويسعد به، ويحتمل فيه ومن أجله أكثر مما يحتمل في غيره، دون انتظار لمنفعة ذاتية. وهي بذلك مطلقة وكونية تتبناها كل الجماعات مهما اختلفت الأديان والمعتقدات والمرجعيات الحضارية، فالعدل – مثلاً- مرغوب لدى الجميع وضده مكروه، والحرية والعبودية كذلك.
إلا أن الإشكال يكمن في المفهوم (مفهوم الحرية مثلا) فهناك يقع الخلاف؛ إذ يستند كل واحد إلى مرجعيته في تحديد مفهوم القيمة، وهنا ينبغي أن تكون المرجعيات مصدر تأصيل للمنظومة القيمية، وللمفهوم الذي تعطيه لكل قيمة من قيم المنظومة، وتقر بالاختلاف وتحترم الخصوصيات الحضارية والثقافية، وعلى أساس من هذا الإقرار والاحترام يتم الحوار الذي يتوقع أن ينتهي بتثبيت المفهوم المعتمد للقيمة وقبوله ونشره.
أما المؤشرات فهي الأفعال أو الأقوال أو الانفعالات القابلة للرصد والملاحظة، التي تدل على وجود القيم وتطورها لدى الإنسان، وتشكل منها شبكة من المعايير للتقويم والتتبع. وقد أبرز المحاضر أهمية ضبط هذه المصطلحات في سياق بناء مشروع للتربية على القيم وأثر ذلك في خلق مساحات من التواصل والحوار بين الثقافات في سياق البحث عن المشترك المتمثل في حماية القيم وترسيخها والدفاع عنها ضد تيارات التفسخ والانحلال التي تهدد البشرية في أخص خصائصها وهي إنسانيتها وآدميتها.
بعد ذلك تطرق المحاضر إلى منظومة القيم في المرجعية الإسلامية، وهي نفس القيم الكونية المطلقة، المستندة في مفهومها وممارستها إلى المرجعية الإسلامية المكونة من القرآن الكريم وصحيح السنة والسيرة النبوية، والمجسدة في ممارسات إيجابية يمكن رصدها في قول وفعل خيار الأمة الإسلامية على مر التاريخ، وتنطلق القيم في الرؤية الإسلامية من توحيد الله والشعور بالعبادية له (وليس العبودية) والفرق بينهما كبير، ثم التهيئة الجسمية والنفسية للإنسان (التزكية) ليقوم بهمة الاستخلاف (العمران).
ولئن كانت بعض الكتابات الإسلامية قد سعت إلى تأصيل منظومة القيم في المرجعية الإسلامية بإرجاعها إلى هذه الأصول الثلاثة (التوحيد، والتزكية، والعمران) فإن مساحات من الاشتغال لا زالت مفتوحة أمام المفكرين لبناء شبكة القيم الإسلامية المتفرعة عن هذه الأصول الثلاثة، وفي هذا السياق أثار المحاضر نقطا أساسية أربعة :
·      علاقة المعرفة بالقيم في التصور الإسلامي.
·      القيم ومصير الإنسان في سياق رحلة العودة إلى المقام الأصلي بعد ابتلاء النزول إلى الأرض.
·      القيم وطبيعة العمل والجزاء.
·      علاقة الأمر والنهي بمنظومة القيم في التصور الإسلامي.
ومن الاستنتاجات التي ساقها المحاضر في هذا الإطار: اعتبار الأحكام الشرعية وسائل للتربية على القيم وليست مقصودة لذاتها، وأن غاية تكليف الإنسان وإنزاله إلى الأرض هو تمكينه من فرصة لإصلاح الخلل الذي أصاب جهازه القيمي بعد مخالفة أكله من الشجرة، رغم امتلاكه المعرفة (وعلم آدم الأسماء كلها)، وأن الجزاء ليس على طبيعة العمل وإنما على قيمته باعتباره مؤشرا على وجود القيم أو غيابها، وأما الأوامر والنواهي فهي علامات إرشاد أو علامات إنذار في طريق رحلة العودة إلى المقام الأصلي. معززا استنتاجاته بآي من القرآن الكريم ونصوص من السنة النبوية، ودعا المحاضر إلى مزيد من البحث في هذه النقط الأربعة وفي غيرها مما يمكن أن يثيره التفكير العلمي في سياق بناء منظومة القيم من مرجعية إسلامية .والغاية من ذلك تصحيح كثير من المفاهيم السائدة في الثقافة الإسلامية والتي لا تسمح بتقديم منظومة القيم الإسلامية إلى العالمين بمنظور متماسك ورؤية متوازنة .
أما الشق التطبيقي: فقد بسط فيه المحاضر الخيارات التربوية المتاحة لإدماج القيم في المنظومة التربوية، موضحاً بأمثلة كيف يمكن أن تدمج القيم بشكل انسيابي في المحتوى التعليمي مع الحفاظ على خصوصيات المواد الدراسية. ونبه إلى خطورة اختصار مهمة التربية على القيم في مادة دراسية واحدة ( التربية الإسلامية مثلا) وإن كانت هذه المادة تسهم بشكل وافر في ذلك، وتطرق لكيفية بناء الأنشطة التعليمية واستثمارها في رصد المؤشرات الدالة على تطور القيم لدى المتعلمين ودور ذلك في التقويم.
كما تطرق المحاضر إلى كيفية إنجاز شبكة تقويم القيم من خلال حديثه عن مراقي ستة هي (الانتباه، والاهتمام، والتفاعل، والاقتناع، والدفاع، والإسهام في نشر القيمة) وبين أن على المربي أن ينظم الأنشطة التعليمية المتنوعة بقصد لفت انتباه المتعلمين إلى أهمية القيمة مع رصد المؤشرات الدالة على ذلك، فإذا ظهرت بالشكل الكافي انتقل انتقالا طبيعيا إلى المرحلة الموالية وهي مرحلة الاهتمام، وهكذا إلى أن ينخرط المتعلم في نشر هذه القيمة ونقلها إلى غيره، كل ذلك وفق خطة تربوية منظمة متوسطة المدى.
وفي الختام أبرز المحاضر ضرورة تكامل أدوار كل من المؤسسات التعليمية، والإعلامية، والأسرية، في بناء مشروع التربية على القيم وتنفيذه؛ لأن الأمر يتعلق بالمنظومة التربوية وليس بالمنظومة التعليمية فحسب، كما أبرز أهمية ودور التدريب على تنزيل المشروع إلى حيز التطبيق وهو ما تم إنجازه من طرف المحاضر في بعض التجارب العملية الخاضعة للتقويم التي تبشر بنتائج جيدة.
وقد أثارت المحاضرة جملة من الأسئلة والتعليقات والملحوظات، التي قدمها الحضور، مما فتح المجال أمام المحاضر ليضيف بعض التوضيحات.

 
     
   
 
حقوق النشر محفوظة للمعهد العالمي للفكر الإسلامي 2009   خارطة الموقع | اتصل بنا | شروط الخدمة | سياسة الخصوصية | دخول