ابحث  
 
 
     
 

مقالات حديثة | فئات | ابحث

المسلمون في أوروبا بين معاناة الحاضر وآفاق المستقبل
28 يوليو, 2009 :: 9361 Views
 

محضارة المسلمون في أوروبانظم المعهد العالمي للفكر الإسلامي/ مكتب الأردن محاضرة بعنوان: "المسلمون  في أوروبا بين معاناة الحاضر وآفاق المستقبل" للدكتور محمد فؤاد البرازي رئيس الرابطة الإسلامية في الدنمارك، وذلك في تمام الساعة الخامسة والربع من عصر يوم السبت الواقع في 18 رجب 1430ﻫ الموافق 11/7/ 2009م. قدّم المحاضرة الدكتور رائد عكاشة مدير تحرير مجلة إسلامية المعرفة، حيث عرّف بالمحاضر وموضوع المحاضرة.

وتحدث الدكتور البرازي عن أحوال المسلمين في البلاد غير الإسلامية، فبيَّن أنَّهم يعيشون في ظروف صعبة تصل إلى طمس هويتهم، بل والتطهير العرقي الذي مورس ويمارس ضد بعضهم، وبخاصة في ظل القوانين الجديدة التي أصدرتها بعض دول الاتحاد الأوروبي في السنوات الأخيرة. ومع ذلك فإن من الإنصاف أن نعترف أن حالة المسلمين في معظم الدول الأوربية أفضل بكثير من أحوال المسلمين الآخرين الذين يعيشون في دول أخرى غير إسلامية.
وتعرض المحاضر إلى أهم المشكلات والتحديات التي تعترض المسلمين في أوربا ومنها:

1. عدم الاعتراف الرسمي بالإسلام:
ففي غياب هذا الاعتراف السياسي يفقد المسلمون حقوقاً تتصل بهويتهم الإسلامية، مثل حقهم في تعلّماللغةالعربية والتربية الإسلامية في المدارس الحكومية، وحقهم القانوني في وجود مقابر خاصة لدفن موتاهم، إلا إذا تفضلت عليهم الدولة بذلك تفضُــلاً ـ لا حقاً قانونيا مكتسبا من حقوقهم الطبيعية والقانونية ـ، وفي غياب ذلك الاعتراف يفقدون أيضاً حقهم في تطبيق قانون الأحوال الشخصية عليهم، في الوقت الذي تطبق على غير المسلمين في ديار الإسلام قوانين الأحوال الشخصية الخاصة بهم.

2. الذوبان في المجتمعات غير الإسلامية:
     تعد مشكلة فقد الهوية الإسلامية أخطرَ المشاكل التي يعاني منها المسلمون في الأقطار غير الإسلامية بشكل عام، وترجع خطورة هذه المشكلة لأسباب عديدة من أهمها: عدم وجود الحصانة الديـنية اللازمة لدى الكثير من هؤلاء المسلمين والانبهار الحضاري بالغرب الذي سلخ الكثيرين عن هويتهم الإسلامية وسياسات التذويب المبرمجة بإحكام التي تعتمدها هذه الدول.
     وإن من واجب المسلمين أن يشعروا أن لهم امتداداً حضارياً عريقاً وانتماءً دينياً عميقاً لا يجوز نسيانه أو تجاهله في خضم تلك المجتمعات غير الإسلامية، وهذا يدعوهم إلى اعتزازهم بدينهم وحضارتهم، والتمسك بقيمهم ومبادئهم، مع انخراطهم في المجتمع، وعدم انعزالهم عنه، باعتبارهم جزءاً من مكوناته الأساسية. وليكن شعار المسلمين في تلك الأقطار غير الإســلامية: (تميز من غير اعتزال، واندماج من غير اضمحلال).

3. الفرقة والاختلاف:
     لقد نقل المسلمون المهاجرون من بلادهم خلافاتهم المذهبية، وصراعاتهم الحزبية، وقد نجح القليل من المؤسسات الإسلامية في بعض الدول في إنشاء مجلس ينسق بين مواقفها، ولكنها في الغالب من طيف واحد لا يحقق تلاحم جميع الأطياف الإسلامية، ولا يشذ عن هذه القاعدة إلا القليل النادر نتيجةً لظروف سياسية أو اقتصادية فرضت ذلك عليهم. إن غياب هذا المجلس الذي يمثل أطياف المسلمين في أوربا ويتبنى قضاياهم أدى إلى ضياع هيبتهم، وإهدار حقوقهم، وإيقاد نار الشحناء فيما بينهم.

4. بروز جماعات الغلو والتطرف:
     إن الإســلام دين الفطرة والوسـطية، ومن أعظم توجيهاته نبذ التنطع والعنف والغلو في الدين. ومما يؤسف له تبنّي بعض الجماعات أو الأفراد لهذا الأسلوب المنافي لسماحة الإسلام، بسبب غياب الفقه الراشد عن أذهانهم نتيجة فقر البيئة الأوربية بالعلماء، ولأسباب أخرى أفرزها تعصب ذميم من هنا أو هناك.
وقد نجم عن ذلك وضع الإسلام والمسلمين في دائرة الضوء، فتضاعفت مشاعر التعصب والكراهية ضد المسلمين عموماً، وارتفعت أصوات عنصرية تنادي بطردهم من أوربا. وفُرضت قوانين جديدة ما كانت قبل ذلك.

5. غياب المرجعية الإسلامية:
     إن غياب الفقه القويم، والوعي السليم أدى إلى اختلافات في الرؤى جعلت التوافق بين مختلف الأطياف الإسلامية أمراً صعباً. ونتيجة لذلك بات لكل مؤسسة إسلامية فكرها الذي تستقل به عن غيرها، وفي ظل هذه الفرقة غابت الوحدة عن عملها، وافتُقد التـنسيق فيما بينها إلا في أضيق الحدود. وفي ظل هذا الوضع أيضاً فقدت الجاليات الإسلامية المرجعية الديــنية التي تتفق فيما بينها على الرجوع إليها في فتاواها، وتركن إليها لحل مشاكلها، وقد برز على الساحة قبل سنوات: مجمع فقهاء الشريعة في أمريكا والمجلس الأوربي في أوربا، ويعتبر كل واحد منهما مرجعا لمن يركن إليه.

6. غياب الزعامة السياسية:
     إن المسلمين في أوربا وأمريكا لم يحسنوا حتى الآن التعاطيَ مع العمل السياسي الهادف، فلا هم شكلوا حزباً سياسياً بمنطلقات سليمة يتبنى مطالبـهم ويحصل لهم على حقوقهم، إذا لم يكن في ذلك حرج عليهم، ولا هم سجلوا نجاحات في عقد تحالفات سياسية مع أحزاب قوية مؤثرة تتبنى قضاياهم ويحققون من خلالها مطالبهم، ويصلون عن طريقها إلى كامل حقوقهم ـ دون تنازل عن شيءٍ من دينهم ـ إذا كان تشكيل حزبٍ سياسيٍ بمنطلقات شرعية متعذراً عليهم، ومن ثم فقدوا تأثيرهم، رغم كثرة عددهم.
     إن من واجبهم الاستفادةَ من مناخ الحرية والحقوقِ التي تضمنها الجنسية للسير في هذا الطريق من أجل توطين الإسلام في تلك الديار، واكتسابِ كافة الحقوق التي تقتضيها المواطنة، وبهذا تصبح تلك الأعداد الكبيرة من المسلمين جزءاً أساسياً فاعلاً في تكوين تلك المجتمعات الأوروبية بدلا من كونهم ضيوفاً عليه، أو عمالاً فيه، أو مجموعات مكدسة ليس لهم وزن أو تأثير. كما أن عليهم تعزيز ثقافة الحوار بين الحضارات لإبعاد شبح الخوف من الإسلام والمسلمين، وتعميقِ معرفة كل طرف بالآخر وقيمه وتاريخه، وترسيخِ قيم التعايش بين الشعوب، واحترام التنوع الثقافي فيما بينها.

7. غياب القوة الاقتصادية:
     ليس للمسلمين في أوربا وأمريكا قوة اقتصادية مؤثرة، لهذا فقدوا التأثير السياسي والإعلامي، فضلاً عن التأثير الاقتصادي. وعلى الرغم مما يقوم به أثرياء المسلمين من ضخ مليارات الدولارات لإيداعها في البنوك الأوربية والأمريكية، واستثمارها في المشاريع الاقتصادية، إلا أنه لم يستخدم أي جزء منها لمصلحة المسلمين في بلاد المهجر الذين هم في أمس الحاجة إلى الجزء اليسير منها.

8. غياب الوسائل الإعلامية:
     لقد أضحى الإعلام سلاحاً فاعلا في تشكيل العقول، ومع ذلك فإن المسلمين رغم  ملياراتهم كالأيتام، لا يملكون شيئاً مذكوراً من وسائل الإعلام التي تتحدث بلغة القوم في تلك الأقطار، وتســاعد على معرفة الحقائق، والتأثير في الرأي العام. وتتفاقم المشكلة إذا ما علمنا أن الإعلام الغربي ينال من الإسلام، ويظلم المسلمين ويشهر برموزهم، ويتعرض بالسوء لهم، ويبخسهم حقوقهم، ويتكتم على إيجابياتهم، ويضخم سلبيات أفرادهم، ولا ينشر مواقفهم الإيجابية ومقالاتهم. ويتم ذلك كله في الوقت الذي لا نجد فيه وسـيلة إعلامية ـ حتى لو كانت متواضـعة ـ تدافع عنهم، وترد على ما يكتب ضدهم. ولا أدلَّ على ذلك مما نشر في الدانمارك من رسوم كاريكاتيرية مسيئة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

9.  تفاقم المشكلات الاجتماعية:          
     كثيراً ما يلجأ أحد الزوجين إلى القوانين الأوروبية إذا شعر أنه المستـفيد منها، حتى ولو كانت مخـالفة لدينه ومبادئه، وهذا مايؤدي إلى إشـكالات كثيرة لا سـيما في مجــال الأسرة. وقد ينتهي الأمر في كثير من الحالات إلى الفراق، واللجوء إلى الطلاق المدني الذي تغيب عنه الضوابط الشرعية. وفي خضم ذلك يفسد كثير من الأبناء، وتضـيع نسبة كبيرة من البنات.

10. بروز المشكلة الثقافية:
     تعاني الأجيال المسلمة في أوربا من المشكلات الثقافية، لأنها تتلقى تعليمها في مختلف المراحل في أجواء بعيدة عن الالتزام الإسلامي. ومما يزيد المشكلة تعقيداً غياب التوجيه الديني، والإرشاد الخلقي في مختلف تلك المراحل، وإذا ما أضيف إلى ذلك غياب الرعاية الأسرية، انقلب هؤلاء إلى كتـلة متفجرة من الشـر، تمارس الفساد، وينتحل بعضُها الإجرام. إن نشأة الأجيال المتلاحقة في بيئة غير إسلامية، وتلقيها العلم باللغات المحلية في  مدارس لا تراعي المبادئ والقيم الإسـلامية إضافة إلى الاعتبارات السـابقة يرسخ في نفوسـهم الانتماءَ لبلد النشــأة، والارتباطَ الوثيق به، وهذا ما يؤدي إلى ضعف الانتمــاء إلى البلد الأم.
وقد حضر المحاضرة عدد من المهتمين بهذا المجال، وبثتها بعض الفضائيات. 


 
     
   
 
حقوق النشر محفوظة للمعهد العالمي للفكر الإسلامي 2009   خارطة الموقع | اتصل بنا | شروط الخدمة | سياسة الخصوصية | دخول