ابحث  
 
 
     
 

مقالات حديثة | فئات | ابحث

المصادر الأساسية للمنهجية الإسلامية - مكتب المعهد بالقاهرة
12 مارس, 2009 :: 6398 Views
 
محاضرة
"المصادر الأساسية للمنهجية الإسلامية في الفكر والبحث العلمي: رؤية إسلامية مقارنة"

 

أ. د. علي جمعة في إطار دورة المنهجية الإسلامية التي عقدها المعهد العالمي للفكر الإسلامي بالتعاون مع مركز الدراسات المعرفية ألقى الأستاذ الدكتور/ علي جمعة – مفتي الديار المصرية محاضرة بعنوان "المصادر الأساسية للمنهجية الإسلامية" وذلك يوم الأحد 13 من صفر 1430هـ/ الموافق 8 من فبراير 2009م.

كلمة فضيلة أ.د. علي جمعة
مقدمة:
بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

كان لابد أن أتكلم باعتبار المنهجية الإسلامية مردها إلى النموذج المعرفي وهذا النموذج ينبثق عنه إجراءات، نتكلم عن قضية النموذج المعرفي أو نتكلم عن المصدرين الأساسيين للمنهج الإسلامي ونتكلم عن المقارنة بين هذا كله والمناهج المختلفة وبهذه المقارنة يتضح الفرق بين المنهجيتين.
ثم بعد ذلك بشيء من التطبيق عن هذه الرؤية الكلية.

 

اللغة والعلم:
ابتداءً العلم واللغة والفكر وجهان لعملة واحدة، هكذا نحاول أن نؤكد على أهمية اللغة، وسوف نتكلم عن العمق الذي كتبت به هذه الكلمات في البحث، وحتى يستقيم الفكر في ظني ينبغي أن تستقيم اللغة، ولذلك فاللغة مهمة جداً.
 علماء المسلمين أكدوا على هذا المعنى ولذلك تراهم قد اهتموا اهتماماً بليغاً بقضية الألفاظ بإزاء المعاني وعرفوا شيئاً أسموه "الوضع" وعرفوا الوضع بأنه جعل اللفظ بإزاء المعنى، وإذا كان الأمر كذلك بوضع اللفظ بإزاء المعنى فإننا أمام وضع لغوي بمعنى أن اللغة الموجودة هي التي جعلت هذه الألفاظ بإزاء هذه المعاني، وهناك وضع عرفي بمعنى أن العرف – عرف الاستعمال – بين الناس قد يكون نقل هذه المعاني إلى دائرة أوسع أو إلى دائرة أكبر، وهناك ما يسمى بالمصطلح ويكون هذا المصطلح في إطار العلوم التي بها مصطلحات في داخلها بمعاني محددة ولذلك فإن من وضع هذه اللفظة بإزاء هذا المعنى هم أهل الفن.
 إذاً فالوضع قد يكون لغوياً، وقد يكون شرعياً، وقد يكون عرفياً، وقد يكون عرفاً خاصاً بالعلوم.

 

من واضع اللغة:
وهنا تكلم أيضاً علماء الأصول على قضية الواضع، من الواضع؟ وهو أمر مهم في عمق القضية، وهناك مذاهب أربعة تتكلم عن الواضع للغة. من واضع الألفاظ السماء الأرض والشمال والجنوب بإزاء معانيها. الرأي الراجح عند الأصوليين بأن الواضع هو الله، واستدلوا بقوله تعالى: (وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) (البقرة: 31) وبحديث يروى عن ابن عباس وموجود في البخاري بأن الله علم آدم حتى القصعة والقصيعة.

الرأي الثاني: إن واضع قوانين اللغة هو الله، وأن المفرع على تلك القوانين والملتزم بها كانوا هم البشر، ولذلك يمكن أن نقول أن قوانين اللغة أو أصول اللغة وضعت أو مبادئ اللغة وضعت من عند الله وأن تطبيق هذه اللغة والمبادئ وتفريعها وضعت من قبل البشر.
 الرأي الثالث: أن البشر هم الذين أحدثوا هذه اللغات فيما بينهم بناء على التعارف والاتفاق بمرور الأجيال والأزمان.
 الرأي الرابع: أننا بعد ما بحثنا في هذا الأمر لم نصل إلى شيء، وهذا يطلقون عليه التوقف، والتوقف هو رأي لأنه تم بعد البحث، وليس توقفاً عن البحث، التوقف هو موقف علمي تم بعد تكافئ الأدلة وبعد البحث فيها وبعد تعارضها تعارضاً لا يستطيع معه الشخص أن يرجح فيما بينها. التوقف عبارة عن تصريح بأن هناك تكافئ بين الأدلة وأن هناك تعارض بين الأدلة وأن هناك عجز عن الترجيح ولذلك التوقف.

ويكرس التوقف إذا ما رأى الباحث أنه ليس هناك من فائدة مرجوة، فإنه لا يستمر في مزيد من البحث، أو ما يسمى عند الفقهاء بالاختيار، حيث إنه إذا تكافأت الأدلة تكافئ شديد ومتعارض ولا يمكن الترجيح فيما بينها، فإن الفقهاء اخترعوا مصطلحاً أسموه الاختيار، أي يهجم على أحدهما ويكون له الإيجاز العلمي، أي يهجم على أحدهما بدون مرجح أي بدون دليل، لأنه تساوت عنده الأدلة، لأنه في حاجة أن يُعمل أحد منهما، ويسموا هذه الحالة حالة التكافؤ وجواز الهجوم على أحدهما من غير مرجح الاختيار، وهذا المصطلح عند الفقهاء نجده عندهم ابتداءً من باب المياه والطهارات، وانتهاءً بالبيوع والزواج والعلاقات الدولية.

التوقف ليس اختياراً، فالتوقف هو ترك للمسألة وعدم الهجوم على أحد الرأيين من غير مرجح، باب التصريح والاعتراف بأن هناك تعارضاً وتكافئاً بين الأمرين.
 واضع اللغة هو الله، الله ثم البشر، البشر، التوقف، هذه هي المذاهب الأربعة الشائعة في قضية اللغة، وأنا أقول الشائعة لأن هناك مذاهب أخرى حاولت أن تلفق المسائل وهناك على كل حال مذهبان آخران لعله ليس من المناسب الآن الخوض في هذا العمق من القضايا ولكن علينا أن نفهم أن الناس هؤلاء وهم يشتغلون في البحث عن واضع اللغة، اللغة كانت قضية ومسألة تتعلق بالمنهجية، ولكن في عمق من أعماقها.

ألفاظ الشرع:
هذا ما كان في اللغة، أما في الشرع فإن واضع الألفاظ بإزاء معانيها هو الشرع الشريف، فكلمة صلاة في اللغة معناها الشيء الثاني، وكلمة ثاني، وانثناء وثنية معناها الانعطاف، يعني الطرق انعطف يميناً أو يساراً، فهذا الانعطاف يسمى – خاصة عند وجود صخرة ثنية – ومن هنا جاءت كلمة ثنية الوداع، فالثنية معناها الانعطاف، ومنه سمي العطف عطفاً لأن القلب يميل إليه أي ينثني إليه.

 وصلى هي مادة في لغة العرب فيها معنى العطف أو معنى الانثناء، ولذلك يسمى العرب الفرس الثاني – أي الذي يأتي في المرتبة الثانية – المصلي، لأنه وصل ثانياً، أي انثنى عن الأول أو انعطف عن الأول، ومن هنا جاءت حروف العطف لأننا نثني بشيء بعد شيء آخر، أي انعطف شيئاً بعد شيء آخر، فعُرف هذه الكلمة في العربية يتضمن مسألة فيها الثنائية، يتضمن مسألة فيها عطف، فلما تنقل هذه اللفظة من هذا المعنى إلى الصلاة المعهودة عند المسلمين، فإن هذا الوضع الشرعي الذي وضعه الشرع الشريف بأن جعل الصلاة مخصوصة بهذه الحركات التي تبدأ بالتكبير وتنتهي بالتسليم على أركان معينة وبشروط معينة كما هو معروف لنا، ويمكن من هذا المعنى اللغوي أن نفهم أشياء في هذه الصلاة لأنها بين العبد وربه، وورد في الحديث بأن "الصلاة قسمت بين العبد وربه" وأن الرب رب، والعبد عبد، وأن هناك فارق بين المخلوق والخالق، وأنه ليس هناك في دين المسلمين ثمة إتحاد وحلول ما بين الخالق وبين الأكوان، فإنهم يؤمنون بإله مفارق، وكلمة مفارق معناه أن الرب رب والعبد عبد، وأنه كان قبل كون الأكوان، وهو الآن على ما عليه كان وهكذا... لفظة لغوية تنتقل من دائرة اللغة إلى دائرة الشريعة. فهناك دائرة اللغة وهناك دائرة الشريعة، وهناك ألفاظ بإزاء معاني في اللغة وهناك ألفاظ بإزاء معاني في الشريعة، قد يكون الكلمة في مجال اللغة ككلمة "دابة" مثلاً وهي كل ما يدب على الأرض، كل ما يدب بقدميه، أو يحدث دبيباً.

سميتني شيخ ولست بشيخ
إنما الشيخ من يدب دبيباً

ولهذا سموا الدبابة لأنها تحدث دباً في الأرض، لكنها في عرف الاستعمال أصبحت تعني في مصر والشام وفي العراق، الحمار والحصان، دابة يعني حيوان، في حين أن كلمة دابة كانت متسعة المعنى.

غلبة الاستعمال:
إذا كانت الكلمة لها في العربية عموم ثم يطرأ لها في الاستعمال خصوص فهذه حالة معروفة في اللغة العربية يسمونها الغلبة، أي غلب الاستعمال على عموم اللفظ في العربية، وأصبح خاصاً أو بمعنى الخاص في العرف وفي الاستعمال، ولو كان ذلك في مجال الأعلام والأسماء سمي العلم بالغلب.

على سبيل المثال كلمة "عقبة" في لغة العرب، تعني كل ما يمنع الوصول إلى الهدف ولكنها أطلقت على العقبة التي ما بين مصر والأردن، وأصبحت علماً إذا ما قلت أنا ذاهب إلى العقبة انصرف الذهن إلى هذا المكان. كذلك المدينة تطلق على أي تجمع سكني أو أي قرية له ملامح حضارية وسكنية خاصة، لكن الآن إذا قلت أنا ذاهب إلى المدينة فأنه يُعنى بها مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا يسمونه عَلَم بالغلبة، فالغلبة أن يكون للكلمة عموم بحسب الوضع فيعرفونه خصوص بحسب الاستعمال.
 هذا التعريف يدلنا على مسألة النقل، أن هناك انتقال للكلمة من المجال اللغوي إلى العرفي، وكذلك كلمة لها مجال لغوي ولكنها تنقل إلى مجال صناعي أو علمي معين. وكل هذا اصطلاحات كل الفنون، ولذلك الكلمة لو ذكرت في علم من العلوم ولم نجد لها أن لها معنى جديد، لابد له أن يكون بينه وبين المعنى اللغوي علاقة، ولكن هذا المعنى الجديد في اللغة، المعنى الجديد في هذا العلم فإننا نفسرها بما هي موجودة فيه في اللغة ما دام لم يحدث أي انتقال، فمثلاً ونحن نتكلم في أصول الفقه وفي الفقه، عن القرينة، ما تعريف القرينة؟ القرينة استعملت في أصول الفقه، وفي الفقه وفي علم الحديث ولم يعرفها أحد من العلماء. القرينة بدأ في تعريفها الحقوقيون من أهل القانون، وهم يترجمون من اللغات الأجنبية، لكن أحد أبداً لم يعرف القرينة من العلماء، إنما يذكرون – إذا رجعت إلى فتح الباري أو البحر للزركشي – نرى القرينة ذكرت فيهم كثيراً وبأنواع مختلفة، فهناك قرينة حالية، وهناك قرينة مقالية، وهناك قرينة متصلة وهناك قرينة منفصلة، ويتكلمون عن القرينة ولا يعرفونها، وذلك أن القرينة عندهم هي شيء قد اقترن بشيء وهو معناها اللغوي ولذلك ما دام معناها لم يطرأ عليه تغيير فإنهم لا يعرفونها ولا يهتمون بوضعها في مصطلحات حديثة.
 إذن كل هذه المقدمة من أجل أن نصل -ونحن متفقين أو شبه متفقين- على أن اللغة والفكر وجهان لعملة واحدة، وحتى تستقيم أفكارنا فلابد أن تستقيم لغتنا، وأن نعرف أن هذه اللغة منها ما هو في أصل اللغات ومنها ما هو الشريعة ومنها ما هو في العرف ومنها ما هو في نطاق العلوم.

 العلم عند المسلمين:
من هنا كلمة علم، والعلم عند المسلمين يعني الإدراك الجازم الثابت المطابق للواقع الناشئ عن دليل، هذا هو العلم عندهم، المطابق للواقع الناشئ عن دليل، فالعلم بهذه الكيفية إدراك جازم ثابت مطابق للواقع ناشئ عن دليل. هناك دائماً خريطة يرسمونها أن هناك شيء يحدث في الذهن يسمونه التصور والتصديق. والتصور والتصديق هو إدراك، ولذلك هذا الإدراك نوع من أنواع العلم، تصور إدراك المفرد، والتصديق إدراك النسبة بين شيئين، هذا الإدراك وهو حصول صورة الشيء في الذهن، سواء كان هذا الشيء مفرد أو نسبة، إما أن يكون جازماً، وإما أن يكون غير جازماً. أذا كان ثابت، إما أن يكون مطابقاً للواقع فيكون صحيحاً، وإما أن يكون غير مطابق للواقع، فيكون اعتقاداً غير صحيح، لأنه مخالف للواقع، وهذا الموافق أو المطابق للواقع، إما أن يكون نشأ عن دليل في الذهن وإما أن يكون نشأ بغير دليل ويسمى بالتقليد.

إذاً هؤلاء الناس وهم يرسمون هذه الخريطة جعلوا العلم في مقابلة التقليد، وأصبح التقليد ليس علماً، وهذا هو الذي يؤكد عليه "ابن عبد البر" من أن العالم والمجتهد، وليس العالم هو محض المدرك، محض المدرك قد يكون الأمر متعلق حينئذ بالعلم في اللغة، أما العلم عند أهل الفنون، فإن العلم ينصرف إلى الإدراك الجازم المطابق للواقع الناشئ عن دليل، وحينئذ فإن الذي ينشئ عن غير دليل، فهو قد سمعه وقلده، أخذه من غير برهان وحينئذ لا يسمى علماً. غير الجازم قد يكون مستوي الطرفين، فيسمى شكاً، وقد يكون مرجوحاً فيسمى وهماً، وقد يكون الراجح ظناً فيسمى ظناً، والظن قد نصل به إلى 99% أو 95% فيسمى الظن الغالب، وقد فرق الفقهاء فقههم بين الظن والظن الغالب، واشترطوا الظن الغالب في بعض المواقف ولم يشترطوا سوى الظن، واكتفوا بالظن الذي يبدأ من 51% إلى 99% وإذا أصبح 100% يكون بقيناً، علم.
 لما حصلت الترجمة فإنهم ترجموا كلمة "Science" وهو العلم التجريبي فقط- ترجموها إلى كلمة علم- في حين أن هذا الشأن ليس هو منهجية المسلمين، العلم عندهم أوسع، ولذا ترتب على هذا أن الإله أصبح مسألة غير علمية لأنه ليس تحت الحس، ولا تدركه الأبصار، نحن نقول أنه لا تدركه الأبصار، نحن نقول أن الرب رب والعبد عبد، نحن نقول أنه ليس تحت الحس والتجريب، لكن لما انحصر العلم في إطار التجريب، والله خارج إطار التجريب، إذن الله مسألة غير علمية، وأصبح عندهم في تصنيفهم العلم مواجه للإيمان، فالعلم شيء مجاله الحس أداته التجريب، والإيمان شيء مجاله الاعتقاد والتصديق ولا بأس أن يكون عندهم يقيناً سواء أكان خطأ أو صواباً ولكنه خارج عن نطاق العلم، فأصبح هناك فاصل في الذهن ألقى بظلاله على الثقافة العامة، أن الله خارج نطاق العلم.

كلمة خارج نطاق العلم، ليس بينها وبين نطاق الجهل كثير فارق. عندما أقول أن هذه قضية غير علمية، وعندما أقول أن هذه قضية جهلية تحتاج إلى شخص فيلسوف حتى يفرق بين ما بين كلمة غير علمية وجهلية، وأن كلمة جهلية قد تكون غير علمية صحيح لكن هناك حاجة غير علمية وليست جهلاً وهي الإيمان في تعريف الغرب للقضية، لم يحدث هذا، حدث اختلال واحتلال، اختلال للمفهوم، واختلال للمصطلح العلمي. اختلال المفهوم قصر العلم على الحياة التجريبية، في حين أن العلم واسع يشمل التجريبية وبشمل كل إدراك جازم ثابت مطابق للواقع ونشأ من دليل عند المسلمين.

أصل كلمة علم في الغرب:
في عام 1840 ظهرت كلمة Science وبدأت الفلسفة الإنجليزية تبنى وتتمحور حول مفهوم ال Science  وترجم بعد ذلك فاختار له هذه اللفظة. فاختزل مفهوم العلم التراثي إلى العلم في التصور والنموذج المعرفي والكلي والإطار الخارجي الغربي، علم. العلم إذا أصبح محصوراً في التجريب كاصطلاح مما أدى إلى هذه المفارقة.

مشكلة كبيرة جداً رأيتها حينما دخلت على شيخي -وهو من كبار العلماء رحمه الله- وكان هو الشيخ جاد الرب رمضان، وكنا نسميه الشافعي الصغير من شدة علمه واتساع فقهه، وكان يدرس لنا الأشباه والنظائر للسيوطي ويبحر بنا في عمق من الفلسفة الفقهية والحكمة الشرعية، والعلة العقلية إبحاراً واسعاً. دخلت عليه مرة - وهو قبل ذلك كان عميداً لكلية الشريعة والقانون- فوجدته يحدث نفسه ويقول أنا لا أفهم، كيف هذا؟ يعني ماذا يعني؟ وجدته يقرأ للمرحوم د. زكي نجيب محمود مقالة كان يكتبها في الأهرام، يقرأ ويعيد القراءة لأن الكلام ارتج عليه فيه فأمسكت بالجريدة وقرأت العنوان وفهمت القضية وقلت حينئذ نعمل على مشروع المفاهيم في المعهد العالمي للفكر الإسلامي، وكان مشروع المفاهيم هذا يعالج هذه النقطة ويتكلم عن اختلال واحتلال المصطلحات بإزاء المفاهيم والفجوة التي حدثت، التراث وما فيه من مناهج وبين الأدبيات المعاصرة، فأدركت أن الفجوة عند الشيخ هي أنه يُعَرف العلم في ذهنه: بأنه الإدراك الجازم الثابت المطابق للواقع الناشئ عن دليل، وأن د. زكي نجيب يعرفه: بأنه العلم التجريبي، ولذلك حدثت فجوة معرفية في التلقي، فجلست أحاول أن أشرح للشيخ رحمه الله تعالى هذه القضية فاستمع لي وقال كلاماً غريباً جداً، لكنه في منتهى البساطة ومنتهى القوة، منتهى بيان للفجوة التي نعيش فيها. قال لي: هل تريد أن تقول لي أن د. زكي نجيب محمود مجنون، هل هناك أحد ينكر تعريف العلم ويختزله في المحسوس فقط، إذن سيحدث ارتباك كثير جداً في الدنيا، وسنصبح كأننا نتحدث لغتين مختلفتين تماماً. 

هذا نموذج ينبهنا على الورطة التي نحن فيها، والتي بدأتها وأعيد مرة أخرى أن اللغة والفكر وجهان لعملة واحدة وأننا لو لم نتفق على هذه التدرجات الأربعة بجعل الألفاظ بإزاء المعاني وهي: اللغة، والشرع، والعرف، والفنون، فإننا سوف نتكلم بلغات مختلفة وسيكون حوار للطرشان.

هذه الأزمة المعرفية بين اثنين من كبار العقول الشيخ جاد الرب، ود. زكي نجيب، لكن د. زكي ذهب إلى المنطقية الموضوعية، وذهب إلى التبحر في اللغة الإنجليزية وجلس يقرأ في جامعته قراءة متعمقة لمدة سنين طويلة يومياً وبالساعات وتشبع بهذه المفاهيم، ترجمها إلى مصطلحات لها علاقة باللغة لكن ليس لها علاقة بالفكر الإسلامي، وبدأ د. زكي مجيب محمود على استحياء أن يكتشف هذه القضية أواخر حياته وعمل لقاءات للمعهد العالمي للفكر الإسلامي، لقاءات حاول فيها أن يوجد الصلة بينهما، وكتب كتاباته الأخيرة، يميل فيها إلى هذا الذي نقوله وأن هناك تراثاً يبدو أننا ظلمناه، وأن هناك منهجاً يبدو أننا قد أدرنا إليه ظهورنا وينبغي علينا أن نرجع إليه، وبدأ إخواننا الذين كانوا لا يبحثون عن الحق والحقيقة يعزلونه ولا يدعونه في أي مؤتمر بدعوى أنه كبر وخرف، وعزل في السنتين الأخيرتين من حياته برغم أنه كان على مقدرة على ذلك بعمق أكثر بعد أن أتيحت له هذه الومضة التي رأى فيها الحقيقة وهو أن هناك خلافاً في المصطلح ينبغي علينا أن نراعيه، وهو كان يؤكد على المنهجية، فكان من السهل عليه بعد الاكتشاف أن يعترف به، فرحم الله الجميع.

 المنهجية الإسلامية:
لكن ونحن ندرس المنهجية ينبغي علينا ونحن نتوقف عند العلم ونتكلم في كل هذه القضايا، إنما هو حالة تجريبية لقضية استعمال المنهج واهتمام بليغ باللفظ إزاء المعنى.
 القضية هنا أيضاً تتمثل في القراءات، الكتاب والسنة وقد يكون نصاً من نتاج التفكير والدرس والحرفة وهو كلام علماء المسلمين وكل هذا نعتبره نصاً، إما أن تكون نصاً مقدساً، الكتاب والسنة، وإما أن يكون نصاً بشرياً بذل لخدمة هذا النص المقدس، ولكن على كل حال يشتركان في النص ولذلك يشتركا في التثبت والتقسيم.

المصدر الثاني: هو الوجود، نجد عند الإمام "ابن عربي" والإمام "الرازي" تعبيرات تتكلم عن المصدرين، نجد في شرح الزبد "لابن رسلان" في الفقه الشافعي الوحي والوجود، كتاب الله المسطور وكتاب الله المنظور، الكتاب الأكبر والكتاب الأصغر، هذا المصطلح استعمل استعمالين، نجد واحد يسمي الكون الكتاب الأكبر لاعتبار الحجم ويسمي القرآن الكتاب الأصغر، والآخر يعكس ويقول الكون كله هو الكتاب الأصغر وأن القرآن – التي لا تنتهي عجائبه- هو الكتاب الأكبر باعتبار ما يرجونه من معرفة، وأنه كلما تعمقنا فيه كلما وجدناه جديداً لا يخلق من كثرة الرد، ولذلك مع صغر حجمه إلا أنه أصغر الكتب المقدسة درة، وهو القرآن الكريم. القرآن الكريم لو طبع في جريدة الأهرام المصرية سيظهر في ثلاثة عشر صفحة ونصف من الأربعين صفحة للعدد الأسبوعي, هذا الحجم الصغير؛ صغير بالنسبة لكل الكتب الموجودة التي يعطي لها أصحابها القداسة.

القرآن الكريم معجز وألفاظه صغيرة قليلة 66 ألف كلمة فقط، و375 ألف حرف، نص صغير. الوحي والوجود وجدوا لها دليل في (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ  اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ) (العلق: 1-5)، تكلم عن الخلق عن الكون عن الوجود، ثم يكرر القراءة  (اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ) قراءتان في سورة العلق. القلم إشارة إلى الوحي. (ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ) (القلم: 1)، إشارة إلى الكتاب المسطور.
 كما ترى هنا بدأ بقراءة الخلق، وثنى بقراءة الوحي، لكن نجد في سورة الرحمن (الرَّحْمَنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الْإِنسَانَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ) (الرحمن: 1-4) فثنى بالخلق، نجد أن الدائرتين يزداد وضوحهما في آيات كثيرة هي دائرة الوجود ودائرة الوحي، (أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) (الأعراف: 54)، دائرة الخلق والأمر ميز بينهم، لذلك نجد علماء السنة عندما يتكلمون على أن غير القرآن كلام الله غير مخلوق، ففيه دقة متناهية، لأن هذا الكتاب من عالم الأمر في مقابلة عالم الخلق، فهو غير مخلوق وإن كان هو موجود لأنه دال على كلام الله سبحانه وتعالى الذي هو صفه من صفاته القائم بذاته، ولا بذاته الحادث لأنه قديم في ذاته وصفاته، كلام قريب بعضه في أثر بعض وله أدلته عندهم بهذا الوضوح والتداعي، تداعي الأفكار مع هذا الأمر.

 مصادر المعرفة الإسلامية:
مصادر المنهجية، الوحي والوجود معاً.

مثال: لو قرأنا في كتاب الأم للشافعي، هناك باب كراهة الوضوء بالماء المشمس، واشترطوا من أجل أن يكون الماء مكروه الشخص أن يتوضأ به أن يكون في خزان معمول من معدن سوى الذهب والفضة، لأن المعدن سوى الذهب والفضة يعمل مادة تضر بالجلد، الذهب والفضة من نقاء جوهرهما لا يسببا هذه الأكسدة وكذلك الخشب.
 الأمر الثاني: أن يكون في بلد حار، مصر بلد معتدل الجو، ولذا الماء المشمس بها غير ضار، لكن السودان بلد حار، ومكة بلد حار، إذن الماء الذي يوضع في تلك البلاد وموضوع في آنية منطبعة – أي قابلة للطرق- (معدن) هذا الماء ضار، وأن يكون في البدن دون الثياب وألا يجد غيره، وحددوا حوالي سبعة شروط. ماذا يقول الشافعي في الأم: حدثني محمد بن إبراهيم بن أبي يحيى عن..... عن عمر بن الخطاب، أنه كان يكرهه، وأنا لا أكرهه. هنا يروي عن سيدنا عمر بن الخطاب، وكان ينبغي أن يقلده، ولكنه مجتهد هذا أولاً. ثانياً: سيدنا عمر يكرهه والإمام الشافعي لا يكرهه؛ إلا من جهة الطب، أي جعل مصدر معرفته من الوجود وليس الوحي، إذا كان سيدنا عمر، يكون هذا رأي سيدنا عمر، وقد يكون استنبطه من الوجود والإمام الشافعي غير متفق معه. 

عندما يأتي في تحديد الحمل والولادة والنفاس والحيض، يقول كل ذلك من الوجود، من الوجود المعيش من التتبع والاستقراء، نرى كيف تكون الطبائع ونتبع هذا الوجود.
 لو جلسنا نتأمل كلام الفقهاء على هذا المنوال، سنخرج في النهاية أن الكل اعتمد الوحي واعتمد الوجود، اعتمد كتاب الله المسطور وكتاب الله المنظور، مصادر للحقيقة ومصادر للمعرفة.

هذا الشيء فقده من قال أن الأرض ليست كروية، لماذا؟ لأنه قرأ وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (النازعات: 30) أي بسطها، والآخر يقول: دحاها أي جعلها كالدحية البيضاء، والثالث قال: أذهب إلى الواقع وأرى ما تكون، ولكن بعض الفقهاء عجز، وقال: ادعى ابن الرواندي الفاسق بأن الأرض كرة. سيدنا الشيخ القرطبي هو الذي قال ذلك، والقرطبي من أعظم المفسرين ومن أحوج العلماء الذين يجب الرجوع إليهم للآيات وما تشمل من فقه وبلاغة وقراءات.... الخ، ولكن هنا يقول: ادعى ابن الرواندي. فعلاً ابن الرواندي كان فاسق وملحد وحاول أن يدعي شيء يعارض القرآن ولم يفلح. الرواندي قال الأرض كرة، وإن صدق ذلك في الوجود فهو كذلك وإن كان الذي قاله فاسق وملحد. 

ظهر أيضاًً في هذا الزمان من يقول: أن الأرض لا تدور وأن رؤؤسهم هي التي تدور، وأن الإنسان لم يصعد للقمر، وألفوا مؤلفات أثّرت في الأمة سلباً مثل:
1- الصواعق الشديدة على أتباع الهيئة الجديدة
ورد عليه أحد فألف
2- الصواعق المحرقة على أهل الهيئة المتزندقة
ولم يكتف فألف
3- النور في كون الأرض ثابتة والشمس حولها تدور.
4- استحالة وصول الإنسان إلى القمر.

الحكاية بسيطة جداً أنه قرأ قوله تعالى: وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (يس: 38) فاعتبره نص قاطع مع الحركة الظاهرية للشمس وأنكر المحسوس، وأنكر الوجود وجعل الوحي وحده هو الذي يقول على حسب فهمه هو، وأنكر الوجود، ولأن الوجود ليس مصدراً للمعرفة عنده. 

هذا الكلام الذي نقوله يؤثر في كل شيء، فهو تقنين عقلي، منهجية ينبغي علينا الالتفات إليها، الاثنين صدرا من الله، هذا من عالم الخلق الكون، وهذا من عالم الأمر وهو الوحي وهما لا يتعارضان أبداً ولذا ليس لدينا مشكلة بين العلم والإيمان، لأن العلم إدراك جازم، والإيمان إدراك جازم ويقين.

 الحادث من الفصل بين المصدرين:
إذن هذا التناقض ما بين العلم والإيمان حصل من اختزال العلم في قضية التجريب، وحصل من أن الإيمان أصبح غير علم لأنه غير مجرب، وحصل من إنكار مصدرية الوجود لدينا، وهذا ضد السلف الصالح، ضد عز المسلمين وفهمهم ونقلهم لدين ربهم، ضد قيامهم بواجب وقتهم، ومن هنا حدثت مشاكل ما زالت تحدث إلى يومنا هذا وتفرق في الأمة، نتيجة لفقد هذا الكلام البسيط بان الوحي والوجود مصدران للمعرفة، وهما المصدران الأساسيان للمنهجية الإسلامية، وتصوروا معي أنه عملياً غير متفق عليها، ولمدة 200 سنة بعد اكتشاف "أبو الحسن الشاذلي" نبات البن في اليمن، وهو من تلامذة تلامذة "أبو الحسن الشاذلي الكبير" صاحب الطريقة، الذي مات 656 هـ في مصر، ولكن أبو الحسن الجبلي واحد من أفاضل أعيان القرن الثامن الهجري، وقد اكتشف البن وعمل منه مشروب يوزع على الجالسين وسمي القهوة. والقهوة في لغة العرب يعني الخمر، ويذهب الناس إلى المشايخ للسؤال عن القهوة، فيفتوا لهم بأنها حرام، ولأن المفتي يتكلم هنا حسب معناها اللغوي الذي يحفظه من القاموس ومعروف أن القهوة هي اسم من تسعين اسماً للخمر، وكانت العرب إذا أحبت شيء أو خافته أكثرت من أسمائه، فسموا البحر حوالي ثلاثين أو أربعين اسماً، سموا الأسد سبعمائة اسم ولذلك تراهم يسموا النبي صلى الله عليه وسلم أسماء كثيرة، ولذلك نزل القرآن الكريم بأسماء كثيرة لله إجلالاً له، حباً وهيبة وخوفاً، حوالي 150 اسم في القرآن لله، 164 اسم في السنة، المجموع 220 اسماً، وبعد ذلك يقولون: "اللهم أسألك بكل اسم هو لك أنزلته في كتابك أو علمته أحد من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك" وهكذا العرب.

فلما ظهرت القهوة حرمها المشايخ، من أين جاء التحريم؟ من الخلل ما بين اللفظ والمعنى، واختلفوا، وجاء الشيخ زكريا الأنصاري وحبس عشرين من كبار علماء الأزهر في منزله بعد الفجر وسقاهم القهوة ووجد أنها تزيدهم انتباه وكلما باحثهم في العلم وجد لديهم انتباه وتركيز، وتأكد أن القهوة عكس الخمر فأفتى بالإباحة. هنا استخدم التجربة واستخدم المنهج ودرس الواقع والمناط، وكانت مساخر في هذا المقام عند بعضهم لفقد المنهجية، وجاء الشيخ ابن حجر الهيتمي إمام الحرمين ومفتي الشافعية المتأخرين وقال حلال، فقال الناس للعلماء أن الشيخ ابن حجر الهيتمي يحل القهوة، فقالوا بكفره، وذلك لسوء فهم اللفظ والمعنى وهنا لا يجوز إعطاء الأحكام متعلقاً بالأسماء وهذه هي المنهجية. 

حدث هذا وما زال يحدث في قضية الصور، وألف فيها عدة أن الصور حرام، لأن النبي صلى الله عليه وسلم حرمها كما جاء في البخاري ومسلم...الخ. ثم جاء الشيخ بخيت المطيعي مفتي الديار المصرية، وهو من أعلم من جاءوا في مصر في المائتي سنة الأخيرة، وكان يحفظ فقه المالكية عن ظهر قلب وأراد أن يكون قاضياً فحفظ المالكية لشرط التعيين في مصر، وكان مفتي حتى عام 1920، وألف كتاب أسماه "الجواب الشافي في إباحة التصوير الفوتوغرافي" واعتبره احتباس ظل، مثلما يقف الإنسان أمام المرآة التي جعل الله فيها خاصية إمساك الصورة، فالله جعل خصائص في الصورة تنعكس على الإنسان وتطبع على الورق الحساس فتظهر الصورة. إذن القضية ثلاث درجات: التتبع، والتنظير، والتفعيل.

أول شيء عندما تعالج موضوع تجمع فيه كل الوارد قال تعالى:(أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) (البقرة: 85) الدرجة الأولى الأشد والأقبح أن بقبل ويرفض تماماً ويكفر به، وينكر إنكار كفر. والثاني: أن يقبل ثم يؤول، والثالث: ألا يجمع بينهما ويعارض الشريعة بعضها ببعض، والصورة الرابعة، والخامسة...الخ، وهناك صور كثيرة جداً للآية.
والخزي سوف يترتب على مدى هذا التعارض أو التصادم الذي يحدثه الإنسان هنا مع شرع الله. إذن أول شيء نجمع الملف كله سواء الآيات أو الأحاديث المتعلقة بمسألة ما.
 ثانياً: عند الجمع لابد من التوثيق حتى نأخذ الصحيح وندع غير الصحيح.
 ثالثاً: معرفة القطعي والظني في المجموع، والقطعي في الشريعة قليل، والظني أوسع لدرجة أن القطعي محصور ومعروف. ثم التنظير، أي بناء مما تحت أيدينا نظرية تتسق مع النموذج المعرفي، العقيدة، الرؤية الكلية. لا يمكن أن أتوصل إلى شيء يحطم المقاصد (حفظ النفس، والعقل، والدين، والعرض، والملك). إذن هناك سقف للتفكير، هذا السقف مكون من اللغة العربية، مكون من الإجماع، والإجماع نعني به هوية الإسلام. لأن الإمام "أحمد" يقول: من ادعى الإجماع فقد كذب، نعم، لأن كثير من الناس تدعي الإجماع بمحض الشيوع وليس هكذا الإجماع. مثل إجماع المسلمين على حرمة الخنزير والخمر، والزنا، ترك الصلاة والزكاة والحج، وعلى حل البيوع هذا المقصود بالإجماع، لكن أصبح الإجماع سلاح ذو حدين، لذلك العجلة في استعمال هذا السلاح مسألة غير سديدة، والأصل فيها هل هو من القطعي أم الظني؟ فإذا كان من الظني يكون هناك نقاش، فقد أجمع المسلمون أن الوضوء قبل الصلاة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (المائدة: 6)، قمتم فعل ماضي، الفاء للتعقيب، اغسلوا وجوهكم أي الغسل بعد الصلاة، لا أحد يقول ذلك للإجماع، للقطعية الموجودة في هذا، فقضية القطعية والظنية قضية مهمة جداً سوف يبنى عليها رسم هوية الإسلام، وجعله سقفاً لهذا التفكير والاجتهاد. 

المقاصد المصالح، المآلات، اللغة العربية، الهوية، الإجماع، القطعي أو الظني. هذه الخمس هي المحددات التي لا يمكن لنا أن نتعداها.
 فالقاديانية عندما قالوا مثلاً: أن النبي صلى الله عليه وسلم ليس آخر الأنبياء، هنا اصطدموا بشيء هام وهو اللغة وهوية الإسلام وخاتم المرسلين، لأن النظرة الكلية تحتم أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم  خاتم المرسلين من أجل وحدة الأمة، لأنه لو فرضنا أن هناك أنبياء بعده، سيؤمن البعض به وسوف يكفر آخرون بطبيعة الحال، وسيصبح المؤمنين بالنبي المرسل الذي يلي النبي محمد صلى الله عليه وسلم هم المسلمون على الحق والباقي لا. وعندما يأتي نبي آخر بعض هؤلاء الذين صدقوا سابقه سيؤمنون به، والبعض الآخر لن يؤمن به، وبذلك سوف تتشتت الأمة، وتتفرق وتذهب عالمية الإسلام، ومفهوم النسق المفتوح، ومفهوم وحدة الأمة...الخ. وقد يكون ذلك تأويل لغوي ولكنه ضد هوية الأمة.

التنظير يعني نظرية متكاملة نستطيع بها أن نضع أيدينا على الأمر، فلو جمعنا أحاديث المرأة، نجد أن النساء تشكين الرجال للنبي صلى الله عليه وسلم ، فيميل النبي صلى الله عليه وسلم بعض الشيء على الرجال، فيستقوين النساء، فلا يستقيم الأمر، فتأتي الرجال تشتكي للنبي صلى الله عليه وسلم، فيحذر النساء...وهكذا. فهي عملية تربوية, والقرآن الكريم يدعو إلى المساواة لا التساوي فالتساوي أمر لا يقره الواقع، فأغلب من يدعو إلى الجندر لم ينكروا (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) (النساء: 1). فأرجعنا إلى مسألة فلسفية لغوية وهو أن اللغة العربية تطلق كلمة إنسان على الذكر والأنثى. وخلق منها (وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا) عبر بالاثنين رجالاً كثيراً ونساء، بالرغم من أن الحياة تخرج من الأنثى لوجود الرحم عندها، (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ) مساواة (وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكُيمٌ)،(وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ اللّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُواْ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُواْ اللّهَ مِن فَضْلِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا) (النساء: 32). والحديث "لعن الله المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال" لأنه خرج عن "يا رب وفقني لما أقمتني فيه" فأقر المساواة.

لو نظرنا ونحن نبني النظرية (فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ) (البقرة: 36)، أما التوراة القصة فيها أن الحية دخلت في شكل إبليس وغوت حواء وأغوت حواء آدم فأكل من الشجرة وأصبحت حواء هي التي ضلت آدم. القرآن الكريم  (فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ) غوى الاثنين، أما التوراة تحمل المرأة الذنب.

النظرية أثناء بنائها سوف تفيدنا كثيراً جداً، ففي أثناء بناء نظرية هذا الدين، السؤال: هل هو دين عالمي؟ (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ)، (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ)، نسق مفتوح، ولابد هنا أن أراعي أن أمتي أمة دعوة وهي الستة مليار نسمة، وأنه لابد من التعايش، وأن فتاوينا سوف يسمعها الخلق كلهم وليس المسلمين فقط، وهذا نمط ينبغي علينا أن نفكر فيه وكله مؤيد بالشريعة، وإنما هو واجب الوقت.

تتبع الديانة رقم واحد، التنظير أي بناء النظرية رقم اثنين، حتى تستعيد بها تسجيل الجزئيات ثم التفعيل. محاولة تفعيل هذه النظرية في مشكلة محل البحث سواء أكانت مشكلة المرأة، العلاقات الدولية، علاقة المسلمين بالآخرين...الخ.

التراث هو في الحقيقة متنوع وعلى فترة زمنية واسعة وهو لا يخرج عن كونه جهداً بشرياً، إذن فليست له قداسة المصادر، ولذلك أجاز العلماء بشروط وضعوها ما يسمى بالتلفيق، وأقروا التغير بتغير الجهات الأربعة (الزمان، والمكان، والأشخاص، والأحوال) ولذلك ينبغي أن تتعامل مع التراث بمنهجية هي في النهاية ترتبط بالمقاصد وبالمصلحة، وترتبط بتحقيق المراد من تعاملنا مع هذا التراث.

قد يكون فيما ذكرناه كفاية من أجل الوقت، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

 
     
   
 
حقوق النشر محفوظة للمعهد العالمي للفكر الإسلامي 2009   خارطة الموقع | اتصل بنا | شروط الخدمة | سياسة الخصوصية | دخول