ابحث  
 
 
     
 

مقالات حديثة | فئات | ابحث

مفهوم التزكية في القرآن
03 فبراير, 2009 :: 10864 Views
 

محاضرة مفهوم التزكية في القرآن

 

أقام مركز الدراسات المعرفية بمناسبة الموسم الثقافي لعام 2008-2009 محاضرة عن "مفهوم التزكية في القرآن" يوم 19 نوفمبر 2008. وشارك في المحاضرة ثلاثة متحدثون وهم الأستاذ الدكتور عبد الحميد أبو سليمان رئيس المعهد العالمي للفكر الإسلامي والأستاذ الدكتور فتحي ملكاوي المدير الإقليمي للمعهد العالمي للفكر الإسلامي وفضيلة الشيخ جمال قطب أمين لجنة الفتوى بالأزهر سابقاً.

تقديم

محاضرة اليوم عن مفهوم التزكية في القرآن ومعنا اليوم ثلاثة متحدثون وهم الأستاذ الدكتور عبد الحميد أبو سليمان رئيس المعهد العالمي للفكر الإسلامي والأستاذ الدكتور فتحي ملكاوي المدير الإقليمي للمعهد العالمي للفكر الإسلامي وفضيلة الشيخ جمال قطب أمين لجنة الفتوى بالأزهر سابقاً ونبدأ مع الدكتور فتحي ملكاوي.
 
 
كلمة الأستاذ الدكتور فتحي ملكاوي
بسم الله الرحمن الرحيم
التزكية: رؤية معرفية بمرجعية قرآنية
تمهيد: لماذا الحديث عن التزكية
الحديث عن التزكية هو حديث عن مفهوم مركزي من المفاهيم القرآنية، وهدف هذا الحديث هو الاجتهاد في تقديم رؤية معرفية لهذا المفهوم من مرجعية قرآنية.
والتزكية مصطلح ومفهوم قرآني أساسي، و يتخذ هذا المفهوم موقعاً مهماً ضمن منظومة المفاهيم القرآنية؛ فالتزكية موضوعها الإنسان المستخلف وهو موضوع الإصلاح في الواقع الإنساني. إصلاح الفرد والجماعة والأمة. والإنسان مادة وروح والتزكية تشمل المادة والروح. وأي موضوع عن قضايا الإصلاح لا معنى له إلا إذا انطبق على الإنسان واستهدف ترقيته في مراتب التزكية. والتزكية هدف العمران ووسيلته فهي ليست مسألة مشاعر وخلجات وخواطر نفسيه مقصورة على مستوى الإصلاح الفردي، بل تدخل في صميم البناء الاجتماعي والعمران البشرى.
ويتضمنحديثنا اليوم عن التزكية مجموعة من العناصر المهمة، تشتمل على: موقع التزكية في منظومة القيم الحاكمة، والتزكية في مدارس الزهد والتصوف والجهاد، والتزكية بوصفها مكوناً أساسياً من مقاصد الوحي، وآفاق التزكية في المصطلح القرآني.
 
أولاً: التزكية في منظومة القيم الحاكمة
تشمل منظومة القيم الحاكمة حسب رؤية شيخنا الدكتور طه العلواني (التوحيد، والتزكية، والعمران) فلا معنى للدين الإلهي إلا بالتوحيد -توحيد الخالق- وتزكية الإنسان في الكون، وعمران هذا الكون وبناء الحضارة فيه. فالإنسان هو المخاطب بالوحي المنزل من الخالق الواحد، يؤمن بوحدانيته ويقر بالعبودية له ويوظف طاقته العلمية والعملية في إعمار الكون وبناء الحضارة وترقية الحياة البشرية على الأرض، وهو بذلك يحقق مقصد التزكية تطهيراً وتنمية لنفسه وماله وعلاقاته.
ويمكننا أن نشتق من هذه المنظومة التي تبدأ بتوحيد الخالق وتعمير الكون وتزكية الإنسان كل القيم الأخرى، والإنسان الذي يؤمن بوحدانية الله يجد أن الوحدانية والعبودية مرتبطان ارتباطاً مباشراً وهما يجعلان الإنسان ملتزماً بتعليمات الوحي القرآني في الاتصاف بالتقوى، وإقامة مجتمع العدل والأخوة الإنسانية، وأداء أمانة الاستخلاف، وتوظيف طاقاته في إعمار الكون وبناء الحضارات.
 
ثانياً: التزكية في مدارس الزهد والتصوف والجهاد
في عهد الصحابة ظهر ميل بعض الصحابة للزهد واختاروا نمطاً معيناً من السلوك الاجتماعي في العلاقة مع الناس، وهو نمط تطور فيما بعد ذلك إلى شيء من العزلة عندما تزايدت مظاهر الاحتفال بالدنيا لدى بعض الفئات، وتواترت الفتن السياسية، وانتهى الأمر إلى تحول الزهد والعزلة إلى ما عرف بالتصوف. فمضمون التصوف أساساً هو الزهد في متاع الدنيا والإكثار من أعمال التقرب إلى الله سبحانه، ولا شك في أن ذلك من صور التزكية، والتدين الإسلامي بصورة عامة. لكن الأمر أخذ بعد ذلك صوراً من التجمع في فئات محددة يقوم أفرادها بالالتزام بتعليمات قيادة محددة، وأنماط من السلوك المحدد في مجالات العبادة والذكر وفي مجال العلاقات بين أفراد الجماعة، كما انتهت إلى استخدام مفردات ومصطلحات خاصة، قد يكون لها في الظاهر العام دلالات معينة، ولكن لها دلالات أخرى في الباطن الخاص بالجماعة أو بشيخ الجماعة. ومثال ذلك ما عرف في بعض نظم التصوف بالمنظومة الثلاثية: (التخلي – التحلي – التجلي). فإذا كان التخلي يعني ضرورة الإقلاع عن الآثام، وكان التحلي ضرورة الأخذ بالصفات الفاضلة، فإن ممارسة التخلي والتجلي إلى مستوى معين يمكن أن يدخل فيه "المريد السالك" حالة من الشفافية الروحية والرفعة الوجدانية، يستشعر فيها تجلّي الحضرة الإلهية عليه...
لكن بعض ممارسات التصوف شهدت ألواناً من السلوك البدعي والألفاظ البدعية، وبقيت بعض ممارساته ضمن دائرة المألوف من الزهد والترقي في مراتب التزكية، كما عرفت بعض جماعات التصوف ألواناً من الجهاد ضد أعداء الدين، وعملت على نشر الدين في كثير من البقاع في إفريقيا وآسيا.
ومما يؤثر من أوجه التقابل بين التزكية بالعبادة والتزكية بالجهاد أبيات الشعر التي أرسلها المجاهد عبد الله بن المبارك إلى العابد الفضيل بن عياض الذي كان عابداً لا يغادر المسجد الحرام:
ياعابد الحرمين لو أبصرتنا         ------      لعلمت أنك في العبادة تلعب
من كان يخضب خده بدموعه      ------       فنحورنا بدمائنا تتخضب
أو كان يتعب خيله في باطل        ------       فخيولنا يوم الصبيحة تتعب
ريح العبير لكم ونحن عبيرها
        ------       رهج السنابك والغبار الأطيب
         ومن الممكن أن نتخيل أن التزكية هي ألوان من الجهاد؛ جهاد للنفس: والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا، وجهاد بالنفس: وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم، وجهاد بالمال: الذي يؤتي ماله يتزكى.
 
ثالثاً: تزكية الأمة في مقاصد الوحي
يظهر لفظ التزكية في مواضع كثيرة في القرآن، ولكن هذا اللفظ يرد في أربعة آيات بوصف التزكية مقصداً مباشراً من مقاصد الوحي وبعض الأنبياء، ولا سيما في حالة خاتم الأنبياء محمد صلّى الله عليه وسلّم. وهذه الآيات هي بالتحديد: 
1. }رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَآ إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ.{ (البقرة: 128-129)
2. }كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ.{ (البقرة: 151)
3. }لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ.{(آل: عمران 164)
4. }هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ.{ (الجمعة: 2)
في الآية الأولى دعاء إبراهيم عليه السلام إلى ربه سبحانه: أن يجعل من ذريته "أمة مسلمة" وأن يبعث في هذه الأمة "رسولاً منهم" ليحقق لهم أربعة مقاصد، هي: يتلو عليهم آيات الله، ويعلمهم الكتاب، ويعلمهم الحكمة، ويزكيهم. وفي الآيات الثلاث الأخرى بيان فضل الله وتفضله بالاستجابة إلى دعاء نبي الله إبراهيم بمجيء الأمة المسلمة وبعث نبيّها محمداً صلّى الله عليه وسلّم. ونكتفي هنا بتسجيل ملحوظتين، الملحوظة الأولى أن التزكية قد وردت في دعاء إبراهيم عليه السلام في الموقع الرابع من المقاصد، لكن التزكية في الآيات الثلاث الأخرى قد وقعت في الترتيب الثاني بعد تلاوة الآيات. والملحوظة الثانية أن التزكية كانت في حق الأمة المسلمة التي كانت دعوة نبي الله إبراهيم عليه السلام، وفي الأمة التي يخاطبها الله سبحانه: كما أرسلنا فيكم، وفي أمة المؤمنين، وأمة الأميين. فلم يكن مقصد التزكية إذن، ولا أيٌ من المقاصد الثلاثة الأخرى، يتعلق بالفرد وتربية نفسه، وبناء شخصيته، وترقية وجدانه.
 
وترسم هذه الآيات الأربع منهاجاً في تربية الأمة يتكون من أربعة أركان، تتكامل فيما بينها، وتتضافر مكوناتها في بناء الأمة وفي رسم صورتها وتحديد خصائصها:
1.     تلاوة الآيات؛ أي إزالة الأمية، والارتفاع إلى مستوى التكريم الإلهي بتلاوة آياته والانتفاع بما فيها،
2.    التزكية وتشمل خصائص الطهر والبركة،
3.    تعليم الكتاب؛ أي تعليم ما فيه من علم وهدى،
4. تعليم الحكمة، أي تعليم مادة الكتاب وثمرة تعليمه وهي الإصابة في القول والفعل والعمل واكتساب ملكة البصر بالأمور ووضعها في نصابها ووزنها بموازينها وإدراك أسبابها وغايتها.
لكن مصطلح التزكية القرآني لا تقف دلالته عند مقاصد الوحي في بناء الأمة وتكوينها، بل تمتد لتشمل الفرد الإنساني:
·       فقد تتحقق تزكية الفرد بدخوله في دائرة الإيمان: }وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى{
·       وفي تجنب الدخول في جهنم: }وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى{
·       وعندما يكون عائد التزكية على النفس ذاتها: }وَمَن تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ{
·       وقد تكون نفس الفرد نفساً زكية، عندما تتصف بالإيمان والخير والصلاح والبر: }أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً{، } يَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا.{.
ومما يلفت النظر أن أطول قسم في القرآن الكريم يتعلق بتزكية النفس: }وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا. وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا. وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا. وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا. وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا. وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا. وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا. فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا. قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا. وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا. كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا{ (الشمس: 1-11)
 
       نلاحظ أن الله سبحانه أقسم بالعديد من مخلوقاته من الأشياء والأحداث والظواهر، وأقسم بنفسه على شيء عظيم، يتضمنه جواب القسم. وجواب القسم في هذا السياق هو قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا. وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا.{وهكذا يفلح ويفوز وينجح في بغيته من تحقق بالتزكية: وهي البعد عما يغضب الله من الآثام، والإكثار مما يقرب من الله من الأعمال الصالحة، وبذلك ترتفع قيمة النفس.وفي المقابل يخسر ويخيب من تحقق بالتدسية: أي الخصائص التي تحول بين صاحبها وبين فعل الصالحات، وحرمانها من الترقي والزيادة في الخير، والسمو بالنفس.
والنفس الإنسانية التي يتحقق لها الفلاح بالتزكية وتلقى في مهاوي الخيبة والخسران بالتدسية، هي الذات الإنسانية جسماً وعقلاً وروحاً، وهي الفرد الإنساني والجماعة الإنسانية، وللنفس الإنسانية مال تمتلكه بتفويض من مالكه الأصلي سبحانه، ولها بيئة مكن الله للإنسان واستخلفه فيها، ليسخر أشياءها وأحداهها وظواهرها في الإعمار، والبناء الحضاري. لكن محور التزكية في كل ذلك هو ذلك الوجدان الإنساني الذي يكون موضوعاً للترقية والتربية والتنمية. وهذا الوجدان وجدانان: وجدان نزوعي ووجدان إدراكي، والوجدان النزوعي له دوافع غريزية وحاجات مادية ويرتبط بما يصفه القرآن بالنفس الأمارة بالسوء النفس التي تنتهي إلى أن (الإنسان خلق هلوعاً.) أما الوجدان الإدراكي فيمثله دوافع الفطرة البشرية في تلمس الحاجات الروحية، ويتحرك الإنسان معها من البعد المادي إلى الروحي فتتكون لديه نفس لوامة، لا تزال تترقى في درجات التزكية لتصبح النفس المطمئنة التي تستحق خطاب الله سبحانه لها: }ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً. فَادْخُلِي فِي عِبَادِي. وَادْخُلِي جَنَّتِي.{ (الفجر: 28-30).
 
رابعاً: آفاق التزكية في المصطلح القرآني
وردت ألفاظ زَكَوَ وهو الأصل الثلاثي من لفظ التزكية تسعاً وخمسين مرة، منها: زكى، وزكَّى، ويزكى، وأزكى، وزكياً، وزكاة، وأزكى الخ...، ومنها اثنتين وثلاثين مرة بلفظ الزكاة، أي زكاة المال على وجه التحديد بمعنى التطهير والبركة والنمو، وأربع مرات بمعنى المدح والثناء، وأربع مرات بوصف التزكية واحداً من مقاصد الوحي الأربعة، وبقية الآيات تتحدث عن مجالات مختلفة من التزكية بمعاني: التطهير والترقية والتنمية والزيادة في الحسن والنفع.
وكثيراً ما يرد لفظ التزكية بمعنى التطهير والترقية للمشاعر النفسية وللعلاقات الاجتماعية. فعندما يحدث الطلاق، فإن النفوس ربما تكون مهيئة للبغضاء والشحناء وتقطع أواصر الحب والمودة، مما قد يدفع أهل الزوجة عضلها أي منعها من العودة إلى زوجها مع رغبة كل منهما في هذه العودة، فيخبرهم الله أن في هذه العودة خير لهم جميعاً وأطهر لقلوبهم من الريبة والشك ولدوام الود والمحبة؛ فالمسألة إذن مشاعر وخواطر نفسية تزكي القلوب وتحدد العلاقات والأنظمة القائمة في المجتمع وتعالج القضايا الاجتماعية.
}وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْاْ بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ{ (البقرة: 232)
فأزكى لكم إذن أي "أوفر للعِرض وأقرب للخير، فأزكى دال على النماء والوفر، وذلك أنهم كانوا يعضلوهن حميّة وحفاظاً على المروءة من لحاق ما فيه شائبة الحطيطة، فأعلمهم الله أن عدم العضل أوفر للعرض، لأن فيه سعياً إلى استبقاء الود بين العائلات التي تقاربت بالصهر والنسب، فإذا كان العضل إباية للضيم، فالإذن لهن بالمراجعة حلم وعفو ورفاء للحال..."[1]
وألفاظ "أزكى لكم" و"أزكى لهم" تتكرر في سياق ما قد يحيك في النفس نتيجة بعض الممارسات، فالاعتذار عن استقبال الضيوف في المنزل احترماً للخصوصيات، وغض البصر وحفظ الفرج صيانةً للأعراض يرافقه تطهير الضمير والشعور وتطهير العمل والسلوك، تطهير لحياة الفرد وسريرته وواقعه، ترتفع به وبتصوراته إلى الملأ الأعلى فيكون مستشعراً مراقبة الملأ الأعلى لخلجات قلبه وسلوك جوارحه }وَإِن قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ{ (النور: 24)}قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ { (النور: 30)
          أما لفظ الزكاة بمعنى الفريضة المعروفة في أركان الدين الخمسة، فإن محمد الطاهر بن عاشور يقول: "لا أحسب استعمال الزكاة (زكاة المال) -بمعنىالمال المبذول لوجه الله- ورد بهذا المعنى إلا في مصطلحات القرآن الكريم ولم يرد بهذا المعنى قبل نزول القرآن الكريم."[2]وهي تعني تطهير النفوس من الشح، والاستعلاء على فتنة المال، وصلة الأخوة في الله من رزق الله، والقيام بحق الجماعة وأعضائها، الزكاة ركن في الدين قسيم لشهادة التوحيد والصلاة والصيام والحج.
والزكاة ركن فريد في النظام الاجتماعي العام وظيفته تطهير للنفس من الشح والاستعلاء على فتنة المال والقيام بحق الجماعة وركن هام من أركان الدين، كما أنها ركن في النظام الاقتصادي. فجباية المال في الإسلام عبادة، وهي سهم معلوم من مال الفرد يرده للمجتمع عندما يصبح المال مملوكاً للفرد الذي يملك المال ويملك حرية التصرف فيه لما كان نتيجة للسعي والكسب. وهو سهم يرتبط بالإنتاج والعائد الزراعي والصناعي والتجاري.
وترتبط الزكاة بالمواعيد والمقادير؛ فالزكاة تجب في المال الذي يزيد عن مقدار محدد، في ما بقي موجوداً لدى مالكه بعد الحول، أو يدفع في مواعيد محددة، وأتوا حقه يوم حصاده، وما يدفع منه هو نسبة مئوية تكون قيمتها ربع العشر أو نصف العشر أو العشر أو الخمس، بحسب أصناف نسبة مئوية تتراوح ما بين ربع العشر والخمس، بحسب أصناف المال وطبيعة العمل المبذول في كسبه. وقد تصل إلى نسبة المال الذي يصرف في مصالح المجتمع إلى مائة في المائة في حالة مصادر الطاقة التي لا تجوز فيها الملكية الخاصة.
الزكاة وسيلة مضمونة للبركة والزيادة } وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ.{ (الروم: 39) فمن أراد التجارة الرابحة التي تتضاعف فيها الأموال، فأمامه الزكاة.
والله سبحانه يَعِدُ الناس أن يكون معهم، وما أعظمها من معية! لكن هذه المعية لا تتحقق إلا بشروط ، والزكاة واحد من الشروط: }... لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا...{  (المائدة: 12)
معيَّة الله وعدٌ عظيم، تهدي الإنسان وتكفيه، ولكنها معية مشروطة ”...طاعة له في التصرف وفق شرطه... وإقامة لأسس الحياة الاقتصادية على المنهج الذي يكفل ألا يكون المال دولة بين الأغنياء، وألا يكون تكدس المال في أيد قليلة سبباً في الكساد العام، بعجز الكثرة عن الشراء والاستهلاك، مما ينتهي إلى وقف دولاب الإنتاج أو تبطئته، ويفضي إلى الترف في جانب والشظف في جانب، وإلى الفساد والاختلال في المجتمع... كل هذا الشر تحول دونه الزكاة ويحول دونه منهج الله في توزيع المال ودورة الاقتصاد..."[3]
والنظام الإسلامي المعاصر يقوم على الفائدة الربوية ولا يتصور أكثر الناس وجود نظام صالح يقوم على غير الأساس فصارت الزكاة إحساناً فردياً لا ينهض على أساسه نظام عصري، وبهتت صورة الزكاة في الحس المعاصر الذي يشهد نظام الإسلام في عالم الواقع.
إن الزكاة طاعة لله وإقامة لأساس الحياة الاقتصادية على منهج يكفل عدم الكساد العام مما يوقف الإنتاج ويؤدي إلى الترف في جانب والشظف في جانب آخر والفساد والاختلال في المجتمع كل هذا الشر تحول دونه الزكاة.
 
خاتمة
وهكذا تكون التزكية للفرد ولمشاعر النفس، وخلجات القلب وسلوك الجوارح، فقد أفلح من الناس من تزكى، إذ يتفضل الله عليه بالتزكية، وتكون للجماعة والأمة فالنبي المبعوث للأمة يزكيها؛ يزكي علاقات الناس، وأنظمة الحياة. وتكون التزكية للمال، فزكاة المال: تطهير وبركة وتنمية لمال الفرد ومال المجتمع. والله يزكي من يشاء. اللهم آت نفوسنا تقواها وزكها أنت خير من زكاها.. آمين
 
كلمة فضيلة الشيخ جمال قطب
كما أشار الدكتور فتحي إلى أن ابن عاشور قال أنه لم تورد كلمة زكاة إلا في القرآن الكريم، فالعرب استخدموا هذا اللفظ بمعنى النمو ولم يرد بالمعنى الديني، لكن الواقع الذي أستثمره القرآن لهذا اللفظ جاء مخالفاً للمفهوم من معناه فسوف تتزكى كانت تعنى لأي عربي أن ماله سيزيد، ولكن مع نزول الوحي قصد الله بالزكاة أمراً آخراً غير ما كانوا يفهمون، وأتصور في تقديري أن الزكاة هي:-
إنقاص ما تملك وتحوز على أن يزيد ملك غيرك ثم ينمى الله هذا في الدنيا ثم في الآخرة.
فالزكاة تعنى النماء في اللغة العربية، أما في القرآن فمعنى الزكاة فرع من فروع التزكية ينقص ما يمتلك ليس للإهدار ولكن لزيادة الآخر فإذا لم تنقص ما تحت يدك بنية إرضاء الله أولاً ثم أن تزيد قدرة الآخر فأنت لم تتزكى.
إذاً الزكاة تنقص مالك لتزيد الفقير والمسكين، وقبل القرآن كانت تعني زيادة ما في يدك، وإذا خرجنا من اللفظ العام إلى التزكية كمفهوم وقيمة أخلاقية نرى أمامنا أن د.طه جابر وهو صاحب فكرة ثلاثية القيم في القرآن وهى:-
 (التوحيد- تزكية الإنسان – إعمار الكون) وهي قيم تظلل منظومة المقاصد الشرعية، وإذا نظرنا إلى التزكية نجدها توضيحاً لآيات الجهاد.
إذاً تزكية النفس جهاد نفسي خطير فان تجمع ثروتك ثم بعد مرور عام تنقص مما تملك طاعة لله فانه جهاد نفسي.
والتزكية بمعنى الجهاد النفسي لحساب الآخر سواء مسلم أو غير مسلم سواء إنسان أو حيوان أو نبات أو حتى جماد وسواء كان حبيب أو عدو، وبهذا نرتفع فوق الصغائر. وهناك صفة وصف بها الله أحد رسله عليه السلام فقال:
}وَحَنَانًا مِّن لَّدُنَّا وَزَكَاةً{وهذا يدل على قمة السمو الأخلاقي.
ومن أخلاق النبوة الرفيعة نجد الأمثلة على تزكية النفس في حديث رسول الله r للسيدة عائشة رضي الله عنها وهذا وارد في صحيح الحديث أنه قال:
(لولا أن قومك حديثو العهد بالجاهلية لهدمت البيت وأعدته على قواعد إسماعيل) وهذا يدل على مراعاة عقول الأمة والتنازل عن جزء من المنهج لا يضر الأصل وأيضا قوله رضي الله عنه:
(كدت أن آمر بالصلاة فتقام ثم آتي بحطب فأحرق بيوت قوم لا يأتون الجماعة) وفيه تحفيز على صلاة الجماعة ولكن لابد أن تزكى نفسك بما يحفز الآخرين على الإتباع ولا تأتى أمرك كله مرة واحدة، وهو أحد ظواهر جهاد النفس وإنقاص ما معك من قدرات لتزيد الآخر وتمكنه من الوصول إلى حد من تزكية النفس.
والتزكية درجات فهناك فرق بعيد بين دفع مقدار الزكاة وبين أن تتساءل إذا كانت الزكاة فريضة فأين سنتها ألا وهى الصدقة فتدفع الصدقة ثم القرض الحسن }وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ{ثم تخرج ما بعثه الله زيادة لك هذه فكرة عامة عن لفظ التزكية.
ونجد أيضاً في قصة سيدنا موسى والعبد }أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً{ ما الذي جعل نفس الطفل زكية؟ أنها لم تكلف وتعصى، فالأطفال كالأبرار فكأن تزكية النفس أن ترجع بها على قوتها إلى مشاعر الطفولة التي لا تعرف إلا الطاعة والميل نحو الآخرين والخير والابتسام وتفرح وتسعد بما تفعل ولا تشعر أنه ينقصها شيء. ونجد أيضاً في قول الملك الذي جاء للسيدة مريم ابنة عمران فقال لها:
}قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا{ رسول نفسه زكية يتجنب السقوط في الرغبات والشهوات ليعلي نفسه والآخرين.
وفى قصة أهل الكهف عندما أرسلوا مندوباً لهم ليشترى الطعام }فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُم بِرِزْقٍ مِّنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ{ فالقضية ليس أي طعام وإنما الزكي الطيب وفى اللغة يفرق الناس بين الحلال، الحلال الطيب، الحلال الطيب الزكي.
ويذكر أن عبد المطلب جد رسول الله r عندما ذهب لمبايعة وتهنئة سيف الدين بن ذي يزن قال له: نحن لا ننفق إلا الحلال الطيب والحلال هو ما تكتسبه بحق والطيب هو ما تخرج منه حق الضيف وحق البيت.
والمال الحلال الطيب المزكى هو ما يزيد الإخراج منه عن الفرض والسنة والقرض الحسن، فالجهاد يكون بالمال والنفس هذه ليست دعوة للزهد وإنما لتزكية النفس.
وهناك رجل ذهب يسأل فقيهاً كم في عشر نعاج؟ ففوجئ بالشيخ يقول له عندنا أم عندكم؟ -وكان يعلم أن الشيخ شافعي المذهب مثله- فقال له عندنا؟ قال واحدة قال وعندكم؟ قال كلها فقال الرجل من إمامك في الواحدة؟ قال أبو حنيفة نقلاً عن رسول الله، قال وفى الكل قال أبو بكر الصديق فقد قال عندما حمل كل ما يملك (تركت لهم الله ورسوله).
لقد أتعبنا كثيراً تقسيم القرآن إلى عناوين فماذا يعنى التقسيم إلى معاملات وعبادات أليس هذا مدلول للناس أن هناك فرق بين العبادة والمعاملة, إن العبادة فيها الطاعة لله والمعاملة فيها الطاعة مع الرأي فكل أمر يأتيه الفرد عبادة وإن اختص علماء الفقه بالحركات والأفعال، وعلماء التوحيد بالعقيدة والقلب وعلماء الأخلاق بالوجدان أصبح لدى الناس اعتقادات وأقوال غريبة أنكروا فيها جوانب التزكية (الزكاة، الأضحية، الحج) وأصبحوا يسلمون بالأمر الواقع أنهم لا يملكون فشرط الإيمان أن تملك وتسعى للتملك ثم تخرج الزكاة
 }وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ{ هذه كانت بعض المعاني التي أقدمها في مفهوم التزكية، والسلام عليكم ورحمة الله.
 
كلمة أ.د / عبد الحميد أبو سليمان
في الواقع بعد هذا الحديث الرائع والمعاني السامية التي وردت جاء في ذهني تساؤل لماذا نفتقد روح البذل والعطاء والإخلاص؟ وأين الخلل؟ فخطر إلى ذهني أن طبيعة الخطاب الديني لم تعد تتعامل مع الإنسان ككل أخلاق وسلوك.
وكما ورد في آيات القرآن الكريم مثل:-
}وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى. جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاء مَن تَزَكَّى{(طه: 75-76).
}هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ{ (الجمعة: 2).
إذاً التزكية هي تربية وسلوك فالكتاب هو القرآن الكريم والحكمة تنزيل نبوي لهذه المفاهيم القرآنية. إذاً كيف نعيد تنزيل هذا الكتاب على الظروف المتغيرة زماناً ومكاناً، ويجب أن ندرك أنه لا قيمة للمعرفة إذا لم تتحول إلى سلوك، وهذا جزاء من تزكى والتزكية ليست مجرد عطاء مالي وليست عبادات فقط إنما هي سلوك وتربية وأداء }أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ. فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ{ (الماعون: 1-2).إذاً الكافر بالدين هو الذي يتنافى سلوكه مع دعواه فهي دعوة كاذبة
}فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ. الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ { (الماعون: 4-5) وأذكر أن أحد الوعاظ نظر إلى هذه الآيات على أنها تقصد الذي يسهو عن الصلاة أو يؤخرها ليس هذا هو المعنى، وإنما الذي يسهو عن مفهوم وقيمة الصلاة رغم أنه يؤديها ولكن مفهومها غائب عنه فالصلاة تنهي عن الفحشاء والمنكر إذاً فصلاته رياء.
إذاً القضية في الخطاب الذي يحول القضايا إلى قضايا نظرية ففي الفقه نحن ندعو للشعائر والذكر فقط على أنها العبادات ولكن العبادات تعنى العبودية أي تعبيد النفس لما هو حق في كل شيء وليس القبول دون وعي أو قناعة، تعبيد النفس لما هو حق وصواب، وهنا يكون الخطاب السليم الذي يدعو إلى إنكار الذات وتحميل المسؤوليات المكلف بها ولكن الآن نجد أن الفرد المسلم أناني لا يسهم في خدمة مجتمعه ولا أمته وتظهر مركزية الذات.
 
 
الخطاب الإسلامي الصحيح
هو الذي يهتم بالتربية والسلوك وتعبيد النفس لكل ما هو حق فالله خلق الإنسان وله تطلعات ورغبات وسينال رضا الله إذا حقق إشباع رغباته بالطريقة الصحيحة إذا أراد إشباع رغباته الجنسية فلديه الزواج الحلال، يريد الرزق فيكون بالعمل الحلال، العلم يكون علماً نافعاً، الجهاد دفاعاً وليس عدواناً وهكذا.
ونجد أن الخطاب قد جعل هذه المعاني قضية منفصلة عن الإنسان كأنها معاناة وتضحية بالنفس وأعتقد إذا لم تنعكس قيم ومعاني القرآن الكريم، ومعاني النبوة على التربية والسلوك لتقديم إنسان متكامل إلى المجتمع يستطيع تحقيق ذاته فلن تكون هناك قيمة للفرد ولا للأمة.
إذاً قضية التزكية هي قضية التربية ولذلك بنو إسرائيل عندما استعبدوا وكانوا خائفين مسالمين أخذهم سيدنا موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، إلى سيناء وهناك اتبع معهم طريقتين للإصلاح وهما: إعطاءهم الهداية الدينية بالأسلوب السليم، التغيير الوجداني للشخصية. لذا نجد أن أي معرفة أو توجيه لا يتكامل إلا إذا أدركنا أن العبودية هي تعبيد للنفس بالإرادة الحرة، والتوعية هي ثمرة حقيقية لأي معرفة وهناك أمل أن نعيد النظر لطريقة فهمنا لمفردات الهداية تصحبها معرفة بالفطرة الإنسانية وكيف نوجه الخطاب الديني لكي يلقى القبول وهل يجد الإنسان ذاته في الخطاب الديني ولكن الفصل بين مفهوم الهداية وفهمننا للفطرة لا يؤدى إلى أي نتيجة.
وأركز على الدور الهام للوالدين في التربية فهما أشبه بمفتاح التشغيل للسيارة وهما أساس عملية مركبة تنتهي حتماً بالتغيير فإذا حققوا ذات الطفل بالتوعية السليمة حتماً سيقدمان إنسان صالح لخدمة أمته، فعلى الإصلاحيين أن يجيدوا الخطاب للوالدين لأنهما حتماً سيقومان بالتغيير المنشود.
}إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ{ومن هنا نجد أن الوالدين هما مفتاح التغيير، أما الأنظمة والمؤسسات فهدفهم المحافظة على التغيير فنرجو أن نأخذ هذه المعاني ونضعها في خطاب فطرى إنساني فعال هدفه تحقيق الذات وليس إلغاؤها، وأن يتطور فكر الأمة لما هو مطلوب لتحسين أداء الفرد لأن أي نظام هو ثمرة سلوك الفرد ولذلك جاء الرسول ليخاطب الإنسان فيجب أن نثابر لتحقيق الخطاب الديني الصحيح المبني على هداية الإنسان وفهم الفطرة وعودة الفكر الاجتماعي، أما إذا اختلط الخطاب الديني وأصبح يتكلم عن قضايا أخرى فالشرعي يتكلم تاريخ، والاجتماعي يتكلم غربي فإن الأمة ستضيع كما يجب أن نوظف المعرفة الاجتماعية لخدمة الرؤية الكونية الإسلامية التي جوهرها العمل.
 ويجب أن نستعيد رؤيتنا التي تقوم على الدين بعكس الغرب الذين بعدوا عن الدين لأسباب تخص وضع الدين في هذه البلاد وانتهوا إلى أن الإنسان مادة وروح المادة هي الحيوان وقانون الحيوان هو قانون الغاب.
 
مداخلات الحضور
د. عبد الرحمن النقيب
أرى أن الزكاة أو تزكية الإنسان لا تقتصر على الأبعاد الروحية فقط وإنما أحياناً تمتد إلى أبعاد فنية وتكنولوجية وتصبح هذه الأمور جزءاً لا يتجزأ من التزكية وتصبح دلالات المصطلح أكثر شمولاً وعطاء.
 
د. أحمد المهدي
اعتقد أن موضوع التزكية يستحق كثيراً من المتابعة فمفهوم التزكية في القرآن قد يأخذنا إلى بنية الكلمة التي تضم زكى، زكاة، تزكى والمعنى العام المستخلص من هذا هو العمل المخلص الطاهر المبارك للفرد والجماعة والأمة لا ضرر ولا ضرار وفى تصوري أن الخطاب القرآني نزل للناس جميعاً والعنصر الأول في الهوية الإنسانية ثم اللغة والدين والجنس الخ وحينما نستعرض المادة زكى- تزكى تجعلنا نستحضر مفهوم الإسلام والإنسان والقيم الكبرى الثلاثة (التوحيد – التزكية – العمران) فالتوحيد هو العبادة بكل ما فيها سواء الغيب أو ما جاء به الوحي ونحن نؤمن أن لهذا الكون خالق واحد والإنسان الذي يؤمن بالخالق الأوحد هو مضمون التزكية فنحن في حاجة إلى ربط العلاقات بين المفاهيم المختلفة فالمال مثلاً رزق الله والإنسان علية التداول والإنفاق.
أما فيما يخص تناثر المفاهيم الدينية فقد آن لنا إعداد مادة تتصف بالمعرفة والتذكير والفضل في المعرفة ليس يرجع إلى ذاتها وإنما هي فضيلة بما يبذل فيها ممن يولدون المعارف وممن يحاولون معرفتها وممن يبذلون الجهد للتعريف بها وممن يحاولون معرفتها مع ضرورة ارتباط القيم بهذه المعرفة بالطريقة التي تفيد الفرد والمجتمع والمعارف الدينية عندنا صعبه للغاية في المدارس
نحن في حاجه إلى ترتيب للمواد الدينية وربط النصوص القرآنية بالأحاديث الشريفة الموضحة والمفصلة بحيث تكون قابلة للتعلم من الآخرين.
 
د. يمنى طريف الخولي
د.فتحي أشيد بمفهومك عن الزكاة كأساس لبناء اقتصادي عظيم وكذلك مفهوم تزكية الأمة ولاحظت أيضاً أنك جعلت مفهوم القيمة والقومية مردودات لمفهوم له نفس الأصل اللغوي ولكنك حملت مفهوم التزكية أكثر مما يحتمل حتى إنك أرجعت إليه كل مقاصد الوحي وحتى في البحث عن الأصل اللغوي للكلمة وقفنا على معنيين مختلفين تماماً التنمية والتطهير فأيهما هو الأصل اللغوي وهناك أيضاً توسيع لمفهوم الجهاد – في كلمة الشيخ جمال قطب- أكثر مما ينبغي وهناك سؤال هل اختلفت دلالة اللفظ التزكية قبل الإسلام وبعده وهل اصطلاح الزكاة ورد في العصر الجاهلي.
أما د. عبد الحميد فكان رائعاً ولكني مقتنعة أن عبقرية اللغة العربية في تدعيم قواعد اللغة كبيرة فهل الأصل اللغوي لمصطلح الزكاة أشمل في المعنى من التزكية وأيهما هي الأصل وأيهما الفرع ومن الذي أضاف للآخر هل الزكاة أضافت للتزكية أم العكس؟
 
د. جمال عبد الهادي
أود أن اذكر أننا تعلمنا في مدرسة الإسلام أن علّموا ما شئتم أن تعلّموا فلن تؤجروا بعلمكم حتى تعملوا والعلم يهتف بالعمل وإلا ارتحل، وقد تكلم الدكتور عبد الحميد عن نموذج بنو إسرائيل عندما قال لهم سيدنا موسى }يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ{فنرى رد النفوس إذا لم تكن مزكاة }قَالُواْ يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُواْ فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ{ فقد نبه سيدنا موسى عليه السلام ولم يستفيدوا ولكن الله سيعاقب بعد الإنذار فكانت العقوبة أن الأرض حرمت عليهم أربعين سنه لأن نفسهم لم تكن مزكاة فضلت الطريق وهلك هذا الجيل ثم جاءهم عبدٌ ربانيٌ هو النبي يوشع عليه السلام -وهو نبي مسلم- صحب القوم إلى بيت المقدس الذي كان في قبضة قوم جبارين فخرج وخطب فيهم يا قوم لا يتبعني ثلاثة نفر رجل بنى داراً ولم يرفع سقوفها ورجل ملك بضع امرأة ولم يبنى بها ورجل يملك غنمات وينتظر ذريتها فتميز الصف وأصبحت كل النفوس مزكاة لتحقيق الهدف.
 
د. عبد الناصر العساسي
في قضية الخلل أرى أن الخلل يكون في المستوى الفكري ثم ينعكس على المستوى السلوكي ثم تظهر المشاكل التي تتحول إلى أزمات فتنهار الأمة وهذا ما تشهده الأمة الآن، والذي دار في هذه المحاضرة حول المفهوم القرآني للتزكية يحتاج إلى دراسات كثيرة لإعطائه حقه ويمكن للأساتذة الحاضرين أن يجدوا الآليات التي تحوى المستوى التنظيري في القرآن الكريم إلى المستوى الدراسي في المناهج خصوصاً أنهم أساتذة مناهج وهذا هو هدفهم على وجه الخصوص وما زال انعكاسات مفهوم التزكية تحتاج إلى تحضير العوامل التي تغرس في النفوس السلوكيات التي تؤدى إلى ترسيخ مفهوم التزكية.
 
 
د. محمود الحنطور
مدخل دراسة التزكية في القرآن يبدأ من الفعل زكا مخففاً مما يعطي معنى النمو والتطور في الجاهلية والإسلام، وزكا مثقلاً وهو يعطي معنى الجديد ويعطي المعنى المادي واجتماعهما معاً يعطى معاني مختلفة في التفسير الموضوعي أحب أن اعرفها من سيادتكم أما عن موضوع التصوف السني وغير السني أرى أن التصوف في حد ذاته سلوك وليس دين فالدين هو الدين والتصوف هو التصوف وهو سلوك فلا يوجد سني وغير سني.
 
المهندس/ خالد محمد أحمد
وصلني مفهوم أن التزكية هي الجهاد بعد التعليم والجهاد نوع من أنواع التربية الذاتية النفسية التي تجعل الإنسان يسعى لهذا الجهاد وهذا بالنسبة للكبير المدرك.
وذكر الدكتور عبد الحميد أن التزكية مسألة تكوين يؤدي إلى تربية ثم تتخلل إلى الوجدان بالنسبة للصغار فلابد من توجيه خطاب يشمل الوجدان أما الكبير فلابد من معرفة ماذا تربى في وجدانه منذ الصغر لاستمالة نفسه على الجهاد فنحن نريد تأصيل أو خطة منهجية تشمل ذلك.
 
د. يحيى العباسي
ما فهمته من الطرح الأول للموضوع ربط المفاهيم كلها بالقرآن وبألفاظ القرآن وبالتالي يمكن أن تساءل ما هو مقياس أخذ مجموعة من الألفاظ المكررة، المشتقة من جذر واحد وأقول أنها مفهوماً قرآنياً؟
وما هو الهدف من ربط المفهوم بالقرآن (التوحيد - العمران- التزكية) هل هو بناء معرفي؟
ما هي خصائص وخصوصية ربط أي مفهوم بالقرآن الكريم؟
ما هو منهج التساؤل هل سيكون من القرآن أم من اللفظ القرآني وحكم كل من قال للاستشهادية؟ أريد أن أعرف هل المنهج مرتبط بالقرآن أم هذه المصطلحات كفتح شهية للدخول في هذه الموضوعات؟
 
أ. أسامة جمال عبد الهادي
أريد أن أقول أن فكرة التربية للجيل الذي يمكن تغييره هام جداً وأركز على أهمية الوالدين ولكن وسائل الأعلام الآن لها أثر خطير في تشكيل شخصية الطفل فلماذا لا تدخل مؤسسة المعهد العالمي للفكر الإسلامي التي امتدت مشروعاتها لتبنى مشروعات لها أثر فعلى في تربية النشء والجيل لنقل هذا الفكر الرائع للواقع؟
أ. جمال سالم
هل توحيد المناهج في الدول العربية سيقضى على التمزقات ويوحد المناهج التربوية في أنحاء الأمة العربية؟
 
رد دكتور فتحي على المداخلات
أحاول أن أرد على بعض الملحوظات التي ذكرت السؤال: هل حمّلت مفهوم التزكية أكثر مما يحتمل؟ هذه نقطة مهمة فأنا حاولت أن أفهم مقاصد الوحي من خلال الآيات التي ذكرتها ورأيت أن التزكية كانت من بين عناصر أربعة، إذاً فالتزكية مقصد من مقاصد الوحي بل هي مقصد أساسي، أما عن ما ذكرته فهو رؤية معرفية ذات مرجعية قرآنية، فالقرآن هو المرجع وهذا هو موضوعنا فأن نعود إلى مرجعية واحدة هذا جائز ولكن أنا مرجعي القرآن ولم أتبع أي مناهج أخرى وحاولت جمع بعض النصوص لأجتهد في فهم مجمل المعاني والدلالات فهي محاولات لتنظير معرفي ضمن رؤية مرجعية ولم أميز دلالات الألفاظ ذات المعاني المختلفة فلم يكن هذا موضوعي على وجه التحديد.
 
رد فضيلة الشيخ جمال قطب على المداخلات
كما ذكرت أن د. طه جابر قد تعامل مع نظرية المقاصد الشرعية فأستخلص منها القيم الثلاث (التوحيد – التزكية – العمران) على أنها قيم تظلل المقاصد وهذه القيم هي شغل المعهد الشاغل لإيجاد منظومة سلوكية لهذا العالم الذي نعيشه لنؤدي دورنا نحو مجتمعنا ونحو أمتنا ونحو العالم بأسره.
أما عن موضوع الزكاة هي الأصل أم التزكية نجد أن تزكية الإنسان نفساً وجسداً هي الأصل والزكاة هي الوسيلة (وسيلة التزكية بالمال) لأنها دعوة شيخ الأنبياء وإجابة الله لهذه الدعوة. إذاً قضية التزكية فيها جانب كبير من العقيدة والسلوك والتوحيد كمنظومة أو نظرية وأعني بالتوحيد هنا الإيمان بأن العالم أمة دعوة وأمة إجابة هذا هو مضمون التوحيد أما توحيد الله فهو الأصل في الإيمان والتزكية هي سلوك هذه العقيدة وهى معيار هل التزمت أم لا في التنفيذ فإذا صلحت فقد صلحت التزكية وصلحت العقيدة.
 
رد د. عبد الحميد على المداخلات
في قضية الكبار والصغار بالنسبة إلى تزكية النفس فإن الكبار لهم دور في إخراج جيل على مستوى عالٍ، فالإنسان عندما يعلم الصواب فقد يتحسن سلوكه وفى الطفولة تستطيع صنع المعدن نفسه والناس معادن كما نعرف فتنمية المعرفة الموظفة للغايات الإسلامية تأخذ وقت وتحتاج لتراكمات ومشكلة المسلمين ليس معرفة ما هو الصواب ولكن التخلي عن الخطأ، أيضاً فعندما بعث سيدنا محمد r إلى العرب وأتم الرسالة أتى إلى قوم ليس لديهم فلسفات أو كوابح كالذئاب في الصحراء. إذاً علينا أولاً إزالة المفاهيم والكوابح ثم تتضح الرؤيا إذاً نحن نحتاج لوقت.
بالنسبة إلى الوالدين ووسائل الإعلام في التأثير على النشء ففي كل عصر ملهياته ولكن دائماً بالإمكان التعامل مع هذا فالطفل عندما ينشئ في أسرة تربيه على قيم ومفاهيم سليمة، عندما يرى فيلماً عن السرقة قد ينكر هذا الفعل بل ويحاول تجنب هذا العمل فيخرج بقيمة إيجابية أما الطفل الذي لديه استعداد سلوكي لارتكاب الخطأ قد يحفظ أساليب السرقة ويتعلمها.
في الواقع إن الثقافة الغربية تجعل قضية المادية هي الأساس لكن لو أدرك ما فيه مصلحته فإنه سيعلم أولاده القناعة المادية وفى النهاية الإنسان السوي سوف ينمي ما لديه ورغم كل العوامل المحيطة معرفة الوالدين التربوية ستتغلب على هذه المغريات فانا مثلاً أبى كان يدخن ولكنني لم أحاول أن أقلده لأنني كنت أراه يتأفف من هذه العادة ويحاول أن يوضح لي مضارها ولكن هذا لا يمنع ضرورة اجتهادنا في تقديم إعلام جيد لا يستغل الجنس والعنف لجذب المشاهد وعلى التربويين الوصول للوالدين للتغلب على كل سلبيات المجتمع.
والله الموفق،،،


[1] ابن عاشور، محمد الطاهر. التحرير والتنوير: 2/428
[2] المرجع السابق، ص 12 جزء 18
[3] قطب، سيد. في ظلال القرآن، القاهرة: دار الشروق، مجلد 2، جزء 6، ص 857

 
     
   
 
حقوق النشر محفوظة للمعهد العالمي للفكر الإسلامي 2009   خارطة الموقع | اتصل بنا | شروط الخدمة | سياسة الخصوصية | دخول