ابحث  
 
 
     
 

مقالات حديثة | فئات | ابحث

مقاصد الشريعة الإسلامية و أبعادها الحضارية
28 ابريل, 2014 :: 2541 Views
 

نظّم مكتب تونس للمعهد العالمي للفكر الإسلامي بالاشتراك مع مركز الدّراسات الإسلامية بالقيروان يوما دراسيّا حول مقاصد الشريعة الإسلامية و أبعادها الحضارية، و ذلك يوم الخميس 24 أبريل 2014 بمكتبة مركز الدّراسات الإسلامية بالقيروان.

* كانت محاضرة الدكتور جمال الدين دراويل أستاذ الفكر الحديث و المعاصر بالجامعة التونسية و مستشار المعهد بتونس "الأبعاد الحضارية للمنوال الفقهي المقاصدي" منطلق النقاش و الحوار.

* افتتح د. جمال الدين دراويل محاضرته بعرض ثلاث ملاحظات منهجية اعتبر أنّ استحضارها يعتبر ضروريا لمقاربة المنوال المقاصدي العاشوري مقاربة موضوعية وعميقة:

- الملاحظة الأولى:
أنّ الإمام محمد الطاهر بن عاشور سليل المدرسة الإصلاحية التّونسية في القرن التاسع عشر و أبرز روّادها خير الدّين التّونسي / سالم بوحاجب أستاذ ابن عاشور / أحمد ابن أبي الضياف / محمد بيرم الخامس و ...،

كما أنّ ابن عاشور التقى مباشرة بالشيخ محمد عبده في زيارته الثانية إلى تونس 1903 و كان أبرز الملتقين حوله و المتأثّرين به وبمجلّة المنار التي كانت تصل إلى تونس وتتلقفّها النخبة الإصلاحية بشغف واهتمام، حتّى اعتُبِرَ سفير الدعوة التجديدية بتونس.

و على هذا الأساس يتسنّى فهم المنوال المقاصدي باعتباره شروعا في الإجابة التفصيلية عن سؤال التقدم الذي طرحته الإصلاحية العربية الإسلامية في القرن التاسع عشر: لماذا تقدّم الأوروبيون وتأخّر المسلمون؟

- الملاحظة الثانية:
أنّ ابن عاشور تعامل مع الموروث الثقافي العربي الإسلامي تعاملا نقديّا نابعا من فهم عميق ورؤية لمناطق الخلل في البنى التي تشكّل في مجموعها الثقافة العربيّة الإسلامية، ومنها البنية الفقهية.

- الملاحظة الثالثة:
أنّ ابن عاشور أدرك بعميق غوره أنّ طبيعة المجتمع المعاصر من جهة تعقّد نحلة المعاش فيه و تشابكها و تسارعها و تولّد الجديد المتجدّد من القضايا والحاجيات فيها، تفرض إعادة تأسيس منوال فقهي جديد (المنوال المقاصدي) يتجاوز المنوال التقليدي المعتمد على علم أصول الفقه الذي أصبح في نظر ابن عاشور متّسما بالمحدوديّة ، فيتسنّى بمقتضىهذا المنوال الجديد للتشريع الإسلامي أن يفهم هذه الطبيعة و يرصدها رصدا جيّدا، وأن يمدّها بالمعالجات التشريعية التي تجعل حياة المسلم متوازنة، لا يشعر خلالها بحرج التعارض بين الولاء للدّين والارتباط بسيرورة الواقع المتغيّر.

انتقل د. دراويل بعد هذه الملاحظات لبيان أنّ المنوال المقاصدي لدى ابن عاشور ينطوي على أبعاد حضاريّة، إذ لا ينفصل عرض ابن عاشور لهذا المنوال عن وعيه بالفوات الحضاري للأمّة العربية الإسلامية قياسا بما وصلت إليه سائر المجتمعات الحديثة، ومن هذه الأبعاد الأساسية أنّ:
* المنوال المقاصدي هو رفض لاستحواذ النظرة السطحيّة و الحرفيّة و النزعة المذهبية على التّشريع الإسلامي من أجل فتح مجالات في النّظر أرحب عبْرَ إكساب البنية الفقهيّة آليات منهجيّة و معرفية جديدة متجدّدة تُرَفِّعُ من قيمة أدائها رصدًا و ابتكارًا تشريعيًّا.

* المنوال المقاصدي أنْسَنَة للمبحث التشريعي الإسلامي بمعنى أنّ التشريع ضمن الرّؤية المقاصديّة خادم للإنسان فردًا وجماعة وأمّة، تنمية لمعاني الإنسانيّة في الفرد إصلاحا لعقله وعمله وبيئته، و توفيرا لعوامل العزّة و المناعة والأمّة استبقاء لعظمتها في خارطة التوازنات الدوليّة.

* المنوال المقاصدي حركة اجتهادية لا تعرف التّوقّف ينهض بها الخبراء من أهل العلم الشرعي و أهل التّخصّصات العلميّة و الإنسانيّة التي صار لزاما أن تتفاعل مع التخصص الشرعي لاستكشاف طبيعة المجتمع المعاصر و حسن تصوّرها في عمومها و في جزئياتها ضمن الاجتهاد الجماعي المجمعي الذي تتضافر فيه انظار أهل التخصص الشرعي و أهل التخصص في القضايا محلّ المداولة (اقتصادية / مالية / بنكية / بيولوجية / طبّية...) من أجل إمدادات المسلمين بالمعالجات التشريعية التي بها يشعرون أنّهم يتعاملون بمقتضى تعاليم دينهم وأنّهم مع ذلك يتحرّكون في مجرى التاريخ لا على هامشه.

* المنوال المقاصدي مصالحة بين التشريع الإسلامي و حركة التاريخ، إذ تحوّلات التاريخ و تغيّرات الاجتماع الإنساني وتبدّل نحلة المعاش و تطوّر نظرة الإنسان لنفسه وللمجتمع وللعالم بمقتضى تطوّر العلوم والمعارف وما يترتّب عليه من تغيّر في الذهنيات، مُعتبر في المنوال المقاصدي "فلا يجدر بحال أن يكون معنى صلاحية التّشريع لكلّ زمان و مكان، حمل الناس على أحوال من نزل القرآن بين طهرانيهم سواء لاءم أحوال من جاء بعدهم أم لم يلائم، و إلّا صار التشريع نكاية" كما قال ابن عاشور. وكذا اعتبر ابن عاشور التّاريخ بوصلة على أساس تغيّراتها وتطوّراتعا يعدّل المبحث التّشريعيّ تقديراته لحاجات الناس وللمصالح والمفاسد المتعلّقة بنحلة معاشهم في كلّ حقبة.

* المنوال المقاصدي تأكيد على أنّ المنطقة الأوسع في التشريع الإسلامي هي استجلاب مصالح المسلمين وضمان استمرارها، بما يجعل مدار النشاط الفقهي اجتهادا و استقراء و استطلاعا على متغيّرات المجتمع الإنساني حول توفير مصالح المسلمين وضمان سؤددهم و عزّتهم بين الأمم لئلا تكثر حاجتهم لغيرهم لأنّ ذلك مطيّة إلى الذلّة و الانكسار، فيما الإسلام "يدعو المسلمين إلى بلوغ أعلى درجات التمدّن و التّحضّر المتاحة في كلّ وقت، .... ولا يرضى لهم أن يكونوا دون رتبة أمثالهم" على حدّ قول ابن عاشور.

ختم د. جمال الدين دراويل محاضرته بالإشارة إلى أنّ المنوال المقاصدي ما زال في حاجة إلى الإضافة و التطوير، بل إنّه " حظيرة بحث علمي" تظل متواصلة ومفتوحة وغير متوقّفة، بحثا عن لحظة في التشريع الإسلامي تتجاوز ابن عاشور إلى ما هو أعمق من ابن عاشور وأقوم من ابن عاشور.....وفاء لابن عاشور ذاته الذي قال"وأساس أيّ نهضة علمية أنّ العلوم لا تولد مكتملة في المنشأ بل يسهم فيها أوّل فثان فثالث وهكذا دواليك".

النقاش:
* فتح الباب للنقاش:

فتدخّل باحثو مركز الدراسات الإسلامية للثناء على محاضرة د. دراويل و لتقديم ملاحظاتهم و إضافاتهم. و انصبّت الملاحظات حول:
- مناقشة مصطلح "أنسنة المبحث التشريعي" هل هي على غرار المصطلح الغربي الذي يضع الإنسان في مقابل الله، أم أنّ الأمر على خلاف ذلك.
- التّأكيد على الحاجة إلى تطوير المبحث التشريعي ليسير شبرًا بشبر و ذراع بذراع مع الحياة و حركة التّاريخ.
- التّساؤل عن المصطلح المناسب لابن عاشور ها هو "مصلح" أم "مجدّد" أم "مجتهد"
- ضرورة تأهيل المؤسسات العلمية الجامعية لتخريج المختصّين القادرين على استئناف هذه المهمة الفقهية الجليلة.
- تجنّب "الشخصنة" و التركيز على الفكرة.

اختتم د. دراويل اليوم الدّراسي بالتفاعل مع مداخلات الأساتذة الباحثين في مركز الدراسات الإسلامية بالقيروان، إذ بيّن أنّ مصطلح الأنسنة يعني في السياق الذي ورد في المحاضرة إعادة الاعتبار للإنسان خليفة للّه في أرضه ومطالبا بإعمارها وإثمارها وتحقيق مراد اللّه فيها عدلا ومساواة وحرية وفضيلة وخيْرًا من خلال الفاعلية والمشاركة و الحضور والإنتاج والمسارعة إلى الخير، لأنّ الثّقافة التّقليدية أساءت إلى الإنسان و غيّبته ووضعته في طيّ النّسيان لصالح تضخيم مكانة الحكّام والخاصّة من الأعيان و العلماء والأدباء و.............وذلك من أبرز عوامل التّخلّف والفوات الحضاري، إذ من ينهض بالبناء والإعمار والتّشييد حين يُغَيَّبُ الإنسان و يهمَّشُ؟

وبخصوص المصطلح بيّن د. دراويل أنّ ابن عاشور تجاوز أساتذته من روّاد المدرسة الإصلاحيّة المغربيّة و المشرقيّة إذ اتّسم خطاب هؤلاء الرواد بالعموم بينما شرع ابن عاشور في الدخول إلى التفاصيل و نحن -تبعا لذلك- إزاء لحظة جديدة تفترض مصطلحا جديدا.

وتفاعلا مع طرح مسألة تأهيل المؤسسات العلمية الجامعية لتخريج المختصّين القادرين على حمل هذه الرسالة وأداء هذه المهمّة الجليلة على أحسن وجه. وممّا اقترحه د. دراويل التعاون بين المؤسسات المختصّة في هذا الجانب / و استجلاب الخبراء والمختصّين / القيام بدورات في الاختصاصات التي تشكو قلّة المنتسبين إليها / إعادة النظر في المقرّرات بما يخدم هذا الغرض. وبيّن د. دراويل أنّ المعهد العالمي للفكر الإسلاميّ معنيٌّ بهذه المهمّة وسيعمل جنبا إلى جنب مع المؤسسات العلمية وبالتعاون معها- ومنها مركز الدراسات الإسلامية بالقيروان – لإعطائها ما هي به جديرة من العناية والدّعم.


 
     
   
 
حقوق النشر محفوظة للمعهد العالمي للفكر الإسلامي 2009   خارطة الموقع | اتصل بنا | شروط الخدمة | سياسة الخصوصية | دخول