ابحث  
 
 
     
 

مقالات حديثة | فئات | ابحث

دورة "جزيرة البنائين"
07 مايو, 2013 :: 3736 Views
 

شارك أ.د. عبد الحميد أبو سليمان في عرض الأفكار الأساسية لقصة "جزيرة البنائين" في بداية الحلقة التدريبية والتي كانت بعنوان "جزيرة البنائين" والتي عقدت يومي 24-25 إبريل 2013، وقام بالتدريب وإعداد المادة التدريبية أ.د. صلاح عبد السميع – أستاذ المناهج وطرق التدريس بجامعة حلوان وخبير التدريب، وكان هدف الدورة: تنمية المعارف والمهارات والاتجاهات الايجابية نحو اهمية القصص كمدخل للتربية العقدية والاجتماعية والسياسية.

الفائدة المتوقعة من البرنامج:
من المتوقع بعد الانتهاء من البرنامج  ان يصبح المشارك قادرًا على أن :ـ
1. يستنتج معنى الوحدة فى حياة الأمم باعتبارها أحد دعائم القوة والنصر على الأعداء.
2. بتعرف على  ان المساواة واحترام حقوق الانسان وتمتعه بالحرية شرط اساس للنهضة .
3. يفسر أن  التظالم والاستبداد يؤدي الى التمزق والتخلف والى تفشى الفساد وكل مظاهر الضعف .
4. يستنتج المفاهيم السياسية والاجتماعية والعقدية التى وردت فى القصة .
5. يعى أن الطريق الى التقدم والحرية والقوة والإبداع إنما يكمن في حسن التربية ، والحفاظ على الأسرة، ونمو التربية الوالدية الصحيحة، وفى سلامة الرؤية الكلية للمجتمع في عقائده ومبادئه ومفاهيمه، وسلامة منهج فكرة.
6. يمارس فى حياته آليات يتم من خلالها تحقيق المفاهيم التى وردت فى القصة ومنها  (الوحدة والمساواة والإيثار والحرية والخير والتعاون.. الخ).

مقدمة.....
فى "جزيرة البنائين" مناهج ووسائل للتربية الإيجابية... تلتقى مناهج التربية الأرضية على أن هدف التربية هو إعداد "المواطن الصالح" وتختلف الأمم بعد ذلك فى تصور هذا المواطن وتحديد صفاته، فقد يكون الرجل الطيب المسالم الذى لا يحب الاعتداء على أحد أو يحب أحد الاعتداء عليه، وقد يكون هو العاشق لوطنه المجنون بعنصريته، وقد يكون وقد يكون ولكنها تشترك كلها فى شيء واحد: فى إعداد "المواطن الصالح". ولكننا نؤمن فى مناهجنا للتربية بتحقيق هدف أكبر وأشمل هو إعداد "الإنسان الصالح" الإنسان بمعناه الإنسانى الشامل، الإنسان بجوهره الكامن فى أعماقه، الإنسان من حيث هو إنسان، لا من حيث هو "مواطن" فى هذه البقعة من الأرض أو فى ذلك المكان.

ومن وسائل التربية الإيجابية للإنسان، التربية بالقدوة، والتربية بالموعظة والتربية بالأحداث والتربية بالعقوبة والتربية بالقصة ووسائل أخرى يتعلم منها الإنسان كيف يكون أرقى.. ـــ والتربية بالقدوة هى من أفعل الوسائل جميعا وأقربها إلى النجاح، فمن السهل كتابة كتابا عن التربية ومن السهل تخيل منهج، ولكن هذا المنهج يظل حبرًا على ورق، ما لم يتحول إلى بشر يترجم بسلوكه وتصرفاته ومشاعره وأفكاره مبادئ المنهج ومعانيه عندئذ يتحول المنهج إلى حقيقة، يتحول إلى حركة، يتحول إلى تاريخ.

ـــ ومن وسائل التربية أيضا التربية بالموعظة، والموعظة المؤثرة تفتح طريقها إلى النفس مباشرة عن طريق الوجدان وتهزه هزًا، وتثير كوامنه ولكن يلزمها التكرار. لذلك لا تكفى الموعظة وحدها، ولكنها ضرورية ففى النفس دوافع فطرية فى حاجة دائما للتوجيه والتهذيب.
ـــ ومن وسائل التربية الإيجابية التربية بالعقوبة، فحين لا تفلح القدوة ولا تفلح الموعظة فلابد من علاج حاسم يضع الأمور فى وضعها الصحيح، ومن الحزم استخدام العقوبة أو التهديد باستخدامها فى بعض الأحيان.
ـــ ومن وسائل التربية هو التربية بالأحداث، فالمربى البارع لا يترك الأحداث التى تقع بسبب التصرفات الخاصة للأشخاص، أو التى خارجة عن تقديرهم وإرادتهم أن تذهب سدى بغير عبرة وبغير توجيه. وإنما يستغلها لتربية النفوس وصقلها وتهذيبها، فلا يكون أثرها موقوتا لا يلبث أن يضيع.
التربية بالقصة تلائم الكبار والصغار
ـــ أما وسيلة  التربية بالقصة فهو يلائم الميل الفطرى عند الإنسان للقصة، فهو لا يملك أن يقف موقفا سلبيًا من شخوصها وحوادثها، فهو على وعي منه أو غير وعي يدس نفسه على مسرح الحوادث ويتخيل نفسه داخلها، والقصة لها سحر فى التربية تجعل قارئها يوازن بين نفسه وبين أبطالها ويستطيع أن يستنكر أو يوافق أو يملكه الإعجاب. يشارك وجدانيًا أبطال القصة ويتعقب مشاهدها وأحداثها من موقف إلى موقف بمشاعر تتفجر وتفيض، ومع ذلك فهو يعلم أنه ناج منها ومتفرج من بعيد.

هل العبرة فى مناهج التربية بالوسائل أم الأهداف؟
الوسائل بكل تأكيد هى أداتنا الوحيدة لتحقيق ما نؤمن به من الأهداف. ولكن  بعض الوسائل على الأقل يتغير من عصر لعصر ومن جيل إلى جيل، ثم إن الوسيلة الواحدة قد تخدم أهدافًا عدة، أو لا تخدم هدفًا على الإطلاق! وكذلك هى "التربية بالقصة"  يمكن أن تخدم أهدافًا عدة ويمكن ألا تخدم هدفًا على الإطلاق! يمكن أن تربى فى الناس الروح الفنية  والحساسية المرهفة للجمال... ويمكن أن تربى فيهم التفكر فى الأنفس وفى الآفاق، وتوجههم إلى تدبر العبرة من الحوادث والتطلع إلى الهدى، والبعد عن الضلال. ويمكن أن تكون مجرد  "تسلية". ويمكن أن تشيع فى الناس التفاهة والانحلال.... وهكذا كثير من الوسائل، لا يحكم بذاته على منهج، ولا يبين الطريق، ولكن هذا ليس معناه أن نهمل الوسائل ونسقطها من الحساب. وينبغى العناية الكاملة بها، والتدقيق فى بحثها واختيارها، فإذا أسأنا اختيار  الوسيلة  يمكن أن نضيع الهدف الصالح ونحيد عن الطريق. ومن ثم فالوسائل والأهداف ترتبطان ارتباطا كاملاً فى مناهج التربية....لا تفترقان. لا يمكن تقويم الهدف من غير الوسيلة التى تؤدى إلى تحقيقه، ولا يمكن تقويم الوسائل بمعزل عن الأهداف.

الهدف اليقين من قصة "جزيرة البنائين".....
* "وقالت الغزالة: لكننا كلنا حيوانات طيبة سلامية، تجمعنا سلامة طباعنا، وسمو غاياتنا، وطيبة نفوسنا، ووحدة صفنا وأهدافنا، ويجمعنا سعينا لإعمار وادينا،وتسخير طيباته لنا جميعا، وكشف ما فيه من إمكانات وطاقات وما أسبغ الله عليه لنا جميعا من نعمة ما يجعلنا أمة واحدة لأننا جميعا طيبون سلاميون."
* و"جزيرة البنائين "هي رؤية مختلفة تعبر عن قصة  هذا "الإنسان" الذى كرمه خالقه ورفعه، ومنحه خلافة الأرض، على أن يكون سيدًا لنفسه، وعبدا لله وحده دون شريك، ولكنه يضعف، بسبب شهوة من شهوات نفسه شهوة ملك، أو شهوة مال،أو شهوة قوة، أو شهوة علم، أو شهوة خلد، فيسلم زمام نفسه للشهوة فيستزله الشيطان من مقودها، ويقوده ويستعبده فلا يعود سيد نفسه، وينسى مهمته الضخمة فى خلافة الأرض وتعميرها، ينسى أن مهمته الحقيقية الكبرى هى وصل الأرض بالسماء.
* أما اختيارنا للحيوانات كأبطال للقصة فكان اختيار بعيدًا تمامًا عن التأثر بالفنون الواقعية الحديثة المتأثرة بالتفسير الحيوانى للإنسان، إنما كان اختيار الحيوانات كشخصيات قصصية نوع من جذب الكبار والصغار التى غالبًا ما تجذبهم الثقافة الكرتونية الحديثة فى توصيل المعلومات، وكان اختيار نموذج  كليلة ودمنة  كشخصيات تجرى على لسانهم الحكمة والعبرة......
* وقد اختارنا العديد من اللقطات  التي تصلح أن تكون مثلاً للقدوة وتغرى بالارتفاع والاستعلاء من النماذج النظيفة الشفيفة، تماماً كما اختارنا نماذج لنفوس المنحرفين التى تصور سواد القلوب وسوء الانحراف لتصلح للتنفير من أفعالهم والاعتبار بمصائرهم. لم نجعل من لحظات الضعف بطولة تستحق الإعجاب والتصفيق والتهليل ولكننا عرضناها عرضًا واقعيًا خالصًا، ولم نقف عندها طويلاً وإنما أسرعنا لنسلط الأنوار على لحظات الإفاقة، لحظات  التغلب على الضعف لأنها هى الجديرة فعلا بتسليط الأضواء عليها.
* أما الحرية والعدل والحق التى ننادى بها هى معانى إنسانية للأفراد  قبل أن تكون للأمم، ففى أى أمة  لا تستطيع فى أية لحظة أن ترسم حدا فاصلا بين الفرد والمجتمع الذى يعيش فيه هذا الفرد، والحرية التى نقصدها هى تحرر الإنسان من كل القيم الزائفة والعوائق التى تعوق رفعة البشرية وتقدمها ونماءها، هى حرية الإنسان وليس انفلاتا من قيود الإنسان. فحين يتحرر الإنسان من كل عبودية غير العبودية لله الحق، ولا يخضع لغير الحق، ينشأ المجتمع الذى يتعاون أفراده  حكام ومحكومين فى تنظيماته وتشريعاته، حربًا وسلامًا  اقتصادًا أو اجتماعًا على الحق والعدل.......

قبل أن نخوض فى معاصينا الفكرية والاجتماعية، يجب أن نركز على أكبر أداة سنستخدمها فى منهجنا التربوى فى التربية العقدية والاجتماعية والسياسية للفرد الأمة من خلال قصة "جزيرة البنائين" ألا وهى النظرة الشمولية العميقة للقضايا التى تشغلنا.

النظرة الشمولية العميقة للأمور من أهم الأمور...... ـــ هى نظرة ممتدة فى الماضي واعية للحاضر، متطلعة للمستقبل وهى تقدم نظرتها لمشاكلنا فى صورة قصة تحاول أن تعيد للفرد الثقة والأمل، وإلى الأمة هويتها وانتمائها من أجل نهضة يشارك فيها الحكام والمحكومين، تدعو إلى نمط حياة جديد، مستمد من قيمنا ومتلائم مع حاجتنا وإمكانيتنا يأخذ من الحضارة الحديثة أفضل ما عندها وحسن الإدارة والتنظيم ومتجنبا ما أصابها من انحلال فى نواحيها الإيمانية والأخلاقية والإنسانية.

ـــ وهى النظرة التى لا تفصل أجزاء الكل بعضها عن بعض فى مجالات الحياة، ذلك أن الحياة الاقتصادية لا تنفصل عن الحياة السياسة أو الحياة الاجتماعية. عندما يطالب التربويون من الإعلاميين ألا تهدم الأجهزة الإعلامية فى الليل ما تقوم به المؤسسات التربوية فى النهار، وأن يتعاون الاثنان على بناء الإنسان الصالح والمجتمع الصالح.كذلك فإن الفئات الأخرى من السياسيين والاجتماعيين والعلميين لهم مطالب من  التربويين أيضا...... وإلا فإن الإعلام سيهدم ما تبنيه المدرسة، والمدرسة قد تنقض ما يشيده المسجد، والسياسة قد تهدم ما يبنيه كل هؤلاء.

ــــ إننا لا نغفل بقضايانا المعاصرة المستقبل،  فنلقى بهمومنا ليحملها الأجيال من بعدنا.
ـــ إننا نؤكد أن الخير فى الاجتماع والإتحاد وأن الشر فى الفرقة والاختلاف.
ـــ إن من السطحية بمكان أن نقول أن كل مشاكلنا مادية محضة، بحيث نستطيع أن نعالج مشاكلنا السياسية أو الاقتصادية بعيدا عن أخلاقنا أو إيمانا.
ـــ  وهى نظرة لا تفرق بين "أنا" و "نحن" حيث  تقوم الشرائع فى الإسلام وآدابه  على اعتبار الفرد جزءا لا ينفصم من كيان الأمة، وقد جاء الخطاب الإلهى مقرا هذا الوضع، فلم يتجه للفرد وحده بالأمر والنهى، إنما تناول الجماعة كلها بالتأديب والإرشاد.... "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ " (الحج: 77).

إن الله عز وجل لم يخلق الناس لينقسموا ويختلفوا، بل وحذر المسلمين من التفرق والتحزب. والإسلام قد نبذ العزلة ودفع بالإنسان إلى الإنسلاخ من وحدته، والاندماج فى أمته.إن إئتلاف القلوب والمشاعر، وإتحاد الغايات والمناهج من أوضح تعاليم الإسلام. إن العمل الواحد فى حقيقته يختلف أجره اختلافا كبيرا حين يؤديه الإنسان وحيد وحين يؤديه مع آخرين. والناس إن لم يجمعهم الحق شعبهم الباطل وتخاصموا على متاع الدنيا، ولو أمعنا النظر فى كثير من الانقسامات بين الأفراد وبين الأمم، لرأينا حب الدنيا. إن الشقاق يضعف الأمم القوية ويميت الأمم الضعيفة،ولو عقلنا أحوالنا فى هذه المرحلة العصيبة من تاريخنا لوجدنا أن ما أصابنا هو بسبب خلافنا، ولذلك وجب علينا إطفاء بوادر أى خلاف وأن يتكاتف أفرادنا على إخراج الأمة من ورطات الشقاق. فيتحول الفرد الصالح إلى مجتمع صالح، ثم إلى أمة صالحة.

قضايا تستحق أن نكتب لها قصة " جزيرة البنائين "......
ومن أزمات وادينا: التخلف الحضاري، والظلم الاجتماعي، والاستبداد السياسي كما نجد الغزو الثقافى والتبعية الفكرية للغرب، والتخاذل أمام العدوان الصهيوني، والاختلاف أو تفتيت الصفوف، والتسيب الخلقى بمختلف صوره.......
الخروج من الأزمات على طريقة الحيوانات.
إن الشعور بــ" الأزمة" هو التى جمع حيوانات الوادى باختلاف أنواعها ليتفقوا فيما بينهم على مواجهتها وحلها واستطاع الحيوانات أن يجتازوا الأزمة بنجاح فهل ستجتاز أمتنا أزماتها نفس النجاح،نريد للأمة أن تتعظ فى حل الأزمات من الحيوانات..... "إن المصائب يجمعنا المصابينا" وامتنا تجتاز اليوم مرحلة من أسوأ مراحلها، مرحلة مليئة بالأزمات  التى لا يجوز أن نستسلم لها، أو أن نيأس من علاجها. وعلاجها قد يسهل كثيرًا علينا  إذا أحسنا التعرف إلى الأسباب الحقيقية وراء  هذه الأزمات كما يجب أن يكون لدينا الصدق فى حلها واستئصالها دون علاجها علاجاً وقتيًا مسكناً لآلامها،ويجب أن  ندرس فيه أسبابها بعناية ونحاول أن نطرح لها حلول واقعية وعملية.

1) من العاطفية إلى العقلانية
"قالت حيوانات الوادي: على الرغم أننا لا نملك المخالب والأنياب، ولكننا نملك القدرة على تحديد طبيعة قوتنا، وكيف نستخدمها وكيف نجعلها تتكامل بحيث نواجه مجتمعين قوة أعدائنا من منطلق تكامل قدراتنا، وطاقاتنا، وقوتنا، وبعزيمة صادقة، وبشكل مخطط ناجح". مما لاشك فيه أن الخروج من الأزمات يلزمه تغيير طريقة  التفكير فى أشياء كثيرة فى حياتنا وثقافتنا المتوارثة.
العاطفية هى....
1ــ دائما ما ننتظر العبقري الفذ الموهوب الذى سيصنع المعجزات، ويتخطى المستحيلات للتوجه إلى حركة شعبية جماعية تقوم بقيادة سفينة التغيير والإصلاح. لقد كنا دائما ننتظر هذا المنقذ الفرد، على المستوى السياسى ننتظر زعيم ملهم، وعلى المستوى الدينى ننتظر مهديا أو مجددا تبعثه العناية الإلهية ليصلح ما أفسد الدهر. والانتظار هو عمل سلبي لا يغير من الواقع شيئا، فلابد من عمل إيجابي، ولابد من أن يكون هذا العمل جماعيًا، ولابد أن يستند إلى قاعدة جماهيرية كبرى، لأن يد الله مع الجماعة.
2ـــ دائما ما نبالغ فى تزكية ذاتنا ونبرز حسناتها ونخفى سيئاتها، ونغطى على عيوبها. وغالبا ما تقود تزكية النفس، وتضخيم الذات إلى عدم رؤية العيوب وجوانب التقصير التى ينبغى إصلاحها كما يؤدى إلى الاشتغال بعيوب الآخرين......وقد ذم القرآن اليهود الذين يزكون أنفسهم ويزعمون أنهم "شعب الله المختار" فقال تعالى: "أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ بَلِ اللّهُ يُزَكِّي مَن يَشَاء وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً " (النساء: 49).
3ـــ دائما ما نستغرق فى الأحلام دون أن يكون لها رصيد من واقع الأشياء وقد ذم الله اليهود والنصارى حين تعلقوا بدخول الجنة دون عمل يؤهلهم لها فقال تعالى: "تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ" (البقرة: 111).
4ـــ ومن آفاتنا الفكرية أيضا أن نستعجل قطف الثمار كثير من الشباب يريد أن يزرع اليوم ويحصد بعد أسبوع أو شهر، بل ربما زرع اليوم وأراد أن يحصد غدا على خلاف سنة الله فى الزرع والحصاد.
5ــــ ومن دلائل العاطفية أيضا وغياب العقلانية هى حسن النية ولكن دون بذل الجهد فى تحرى الصواب والأصوب، نكتفى أن لدينا حسن نية ورغبة فى الخير ومحبة للحق، فنرتكب من الأخطاء ونقع فى خطايا قد تضيع دينهم ودنياهم معا. ولهذا من الأدعية المأثورة:  اللهم أرنا الحق حقاً، وارزقنا إتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه. ومعنى هذا: أن رؤية الحق حقا، ورؤية الباطل باطلا، أى تصور الأمور وإدراكها على ما هى عليه أمر مطلوب، بل ضرورى.
والخطأ الأكبر على الإنسان العاقل المكلف أن يعيش تابعا لغيره، ويمشى وراء الآخرين فاقدا عقله، لا يفكر ولا يوازن، ولا يختبر ما عنده وما عند الآخرين، يأخذ القضايا مسلمات دون أن يمتحنها ويعرف صدقها وصوابها، وألا يسأل جاهلا  بالمسألة مثله أو أجهل منه. وألا يقحم نفسه فيما لا يحسنه، فيفسد أكثر مما يصلح ويهدم أكثر مما يبنى  كالطبيب الذى يعالج المرضى وهو غير متخصص.
6ــــ العجلة والارتجال فى رسم السياسات المهمة، والقرارات الخطيرة يخالف العقلانية لأنها لا تأخذ حقها من الدراسة والمناقشة بدعوى أن خير البر عاجله وأن البطء والتوانى يقتل الحركة ويضيع البركة. وغفل هؤلاء: أن بديل العجلة والارتجال ليس هو التباطؤ بل التأنى والتريث حتى تستبين المعالم ويزول الالتباس. فالواجب على كل من يرسم سياسية أو يصدر قراراً فى أمر من الأمور العامة ألا يتعجل فى ذلك دون أنيعد العدة له، بتقديم الدراسة الواعية لقضية يريد أن يقدم عليها ويتخذ فيها موقفا، بالإيجاب أو السلب، على معنى أنه ينبغى عليه أن يتأنى فى اتخاذ المواقف، وإصدار القرارات، فى الموضوعات والقضايا ذات الأهمية. وفى عصرنا ـــ عصر المعلومات ـــ يستطيع الباحث فى أمر ما أن يجد لهمن المراجع المتصلة به الكثير وخصوصًا على شبكة المعلومات. كما يجب على من يتبنى موقفا أو اتخاذ قرار مهم أن يستشير أهل الشورى، فمن الأمور ما يحتاج منه إلى أن يشاور المختصين الفنيين فى الموضوع الخبراء فيه، الذين يعرفون مورده ومصدره، وأوله وآخره فعليه أن يحاورهم وينصت إليهم.
7ـــــ التوكل دون أن نعقل الناقة، فمن أراد أن يحصد فلابد أن يزرع ومن أراد أن يجنى فلابد أن يغرس، إننا نجنى على الدين، ونجنى على الحياة، ونجنى على أنفسنا: إذا أهملنا الأسباب، بدعوى أننا متوكلون على الله تعالى.
8ـــ ومن دلائل العاطفية أيضا إغفال السنن فى الكون والمجتمع، تجاهل سنن الله فى الكون والمجتمع، وإسقاطها من الاعتبار، إن لله سننا فى النصر، لابد أن تراعى، ولا ينبغى لنا أن نطمع فى النصر ونحن نتجاهل سنن النصر التى عرفها الناس بعقولهم ونظرهم وعرفها لنا الشرع بآياته ونصوصه وعرفها الناس بتجاربهم وممارساتهم: طوال التاريخ. ومن سنن النصر: أن نعد لعدوك ما تستطيع من قوة، سواء كانت قوة مادية أم معنوية، عسكرية أم اقتصادية. ومن هذه العدة المعنوية: تجميع قوة الأمة لدخول المعركة صفا واحدا. والتحذير من التنازع والتفرق ولا سيما عند لقاء الأعداء. ومن سنن النصر: أنه لا يتم إلا بالمؤمنين ولا يكون إلا بالمؤمنين فالنصر لهم، والنصر بهم...
9ـــ ومن عدم العقلانية والعلمية "المبالغة " فى تصوير الأشياء، وعرضها مادية كانت أو معنوية مشاكل كانت أو حلول مكبرة بأضعاف حجمها إن أريد لها التهويل، أو مصغرة دون حجمها بكثير إن أريد لها التهوين، وبين التهويل والتهوين  تضيع الحقيقة.
10ـــ التهريج والصراخ،ومحاولة كسب الآخرين أو التغطية عليهم بإعلاء الصوت وإظهار الضجيج على نحو ما قال المشركون قديما فيما حكاه عنهم القرآن: "وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ" (فصلت: 26) فهم يريدون أن يغلبوا بهذا الأسلوب الرخيص: اللغو والتشويش بالباطل على الحق حتى لا يحسن الناس أن ينصتوا إليه ويتفهموه. وهناك أساليب كثيرة يتخذها ذلك النوع من الناس منها: السفسطة وهى تزيين الأباطيل لتقبل عند العوام الذين لا يزنون الأمور بميزان المنطق، ولا يدققون فى فهمها، بحيث توصل مقدماتها إلى نتائجها دون خلل أو اضطراب.
11ـــ السطحية فى معالجة الأمور الكبيرة والقضايا الخطيرة، وتبسيط الأشياء المعقدة، على طريقة ما يسميه العامة بــ " الفهلوة ".... من مظاهر السطحية:
أ ـــ التسليم بما يشيع بين الناس، وما يشتهر على الألسنة والأقلام إذا كان فيه مدح لنا أو قدح لعدونا، وإن لم يكن له أساس علمى مثل أن نقول أعدائنا خططوا ورتبوا، ثم اجتمعوا ودبروا، ثم صمموا ونفذوا، ونحن نكتفى بالتشنيع عليهم ولم نجتهد أن نجتمع كما اجتمعوا، ونخطط كما خططوا، وندبر كما دبروا بل ما زلنا نبدئ ونعيد ونكرر: أننا ضحايا لمخطط جهنمى يكيد لنا ويمكر بنا فإلى متى نظل ضحايا تخطيط غيرنا، ولا نخطط نحن لأنفسنا؟
ب ـــ البكاء على الأطلال والتغنى بالأمجاد والتفاخر بما حققه الأسلاف الكرام: من إنجازات فى مجال العلم ومجال السلوك، على أن هذا لا يجدينا نفعا فى حاضرنا، وإذا لم نصله بماضينا. إن الذى يثبت وجودنا حقا: هو عملنا نحن اليوم، لا أعمال أجدادنا بالأمس.
ج ـــ تقبل التفسير التآمرى للتاريخ وللأحداث والوقائع الحديثة والمعاصرة، وهذا يوقعنا فى لون من الجبرية السياسية التى تسلبنا كل حول وقوة، وتنفى عنا الإرادة والاختيار وتجعلنا كريشة فى مهب رياح الأقدار تعبث بها كيف تشاء. ثم أن هذا يعوقنا عن محاسبة أنفسنا، أو النقد الذاتى لها، والمحاولة المخلصة لاكتشاف عيوبنا، ومعرفة حقيقة أمراضنا ودراسة أخطائنا وخطايانا: الفكرية والسياسية، والاجتماعية، والاقتصادية، والاجتهاد فى تقصى الأسباب لتشخيص الداء، ووصف الدواء، فلن يكون هذا ممكنا ما دام كل قصور او تقصير أو فساد أو خراب أو خلل، سببه تخطيط أجنبى ماكر وليس من عند أنفسنا، والبحث عن السبب فى داخلنا كلما ألمت بنا هزيمة أو أصابتنا مصيبة.
د ـــ مواجهة عصر الثورة الاليكترونية والثورة الفضائية، والثورة الجينية، والثورة الاتصالية، والثورة المعلوماتية: بعقلية عصور ما قبل الثورة الصناعية الأولى كأنما نريد أن نواجه عصر سفن الفضاء، بعصر الجمل سفينة الصحراء. فما زال فى الأمة من يرى أننا نستطيع أن نرقى بالأمة بالعلم الدينى وحده دون العمل الدنيوى (مثل العلوم الطبيعية والرياضية وتطبيقاتها التكنولوجية)، وما ذلك إلا جريمة فى حق الدين وفى حق الأمة التى يفرض عليها دينها فرضا كفائيا: ان يكون فيها من الخبراء والعلماء بعلوم الدنيا والطبيعة، ما يكفى الأمة كفاية ذاتية، ويسد ثغراتها ويغطى احتياجاتها، وإلا أثمت الأمة كلها.
هــ  ـــ الاستكثار من المبشرات، مع تعمد إغفال العوائق والعقبات الكبرى، والمثبطات عن السير. صحيح أننا نحتاج إلى بواعث الأمل، ولكننا نحتاج غلى التركيز على العوائق الذاتية والداخلية والخارجية الموضوعة فى طريقنا بالمؤامرات الخارجية.

وسمات العقلانية هي...
1ـــ النظرة الموضوعية: إلى المواقف والأشياء، والأقوال بغض النظر عن الأشخاص، كما قال علي بن أبى طالب: "لا تعرف الحق بالرجال، اعرف الحق تعرف أهله"
2ــ احترام التخصصات: فللدين أهله، وللاقتصاد أهله، وللعسكرية أهلها ولكل فن رجاله، وخاصة فى عصرنا، عصر التخصص الدقيق، أما الذى يعرف فى الدين والسياسة والفنون، والشئون الاقتصادية والعسكرية، ويفتى فى كل شيء فهو فى حقيقته لا يعرف شيئا.
3ـــ القدرة على نقد الذات:الاعتراف بالخطأ والاستفادة منه وتقويم تجارب الماضى تقويما عادلا بعيدًا عن النظرة التى تبرر كل اخطاء أو إنحرفات الماضى وبعيدًا عن النظرة التى ترى الماضى كله أمجاد.
4ـــ استخدام أحدث الأساليب وأقدرها على تحقيق الغاية، والاستفادة من تجارب الغير حتى من الخصوم، فالحكمة ضالة المؤمن، أنى وجدها فهو أحق بها. وبخاصة ما يتعلق بالوسائل والآليات، كالتقنيات.
5ـــ إخضاع كل شيء فيما عدا المسلمات الدينية والعقلية للفحص والاختبار، والرضا بالنتائج سواء كانت للإنسان أو عليه.
6ـــ عدم التعجل فى إصدار الأحكام والقرارات، وتبني المواقف إلا بعد دراسة متأنية مبنية على الاستقراء والإحصاء وبعد حوار بناء تظهر معه المزايا وتنكشف المآخذ والعيوب.
7ـــ تقدير وجهات النظر الأخرى واحترام آراء المخالفين فى القضايا ذات الوجوه المتعددة مادام لكل دليله ووجهته.
8ـ ترفض إتباع الظن: فلابد من اليقين فى الأمور، فلقد ذم الله المشركين بقوله: "وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا" (النجم: 28).
9ـــ ترفض إتباع الهوى والإذعان للعواطف: فقد قال الله تعالى عن المشركين "إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى" (النجم: 23).
10ـــ تنكر التقليد الأعمى: والجمود على ما كان عليه الآباء كما قال تعالى: "وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ" (البقرة: 170).
11- لا تقبل دعوى بغير برهان: يثبتها فى أى مجال ولذا تكرر فى القرآن قوله للمخاطبين " قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين" البقرة 111، والبرهان هو: الدليل العقلى فى العقليات، والدليل التجريبى فى الحسيات، والدليل التاريخى فى النقليات.
11ــ الخضوع لمنطق العلم فى كل شيء كما قال الله تعالى فى مناقشة الكفار "نَبِّؤُونِي بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ" (الأنعام: 143).
12ـــ تؤمن بوجوب النظر والتأمل: فى آيات الله وفى الكون كله وفى النفس: "قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ" (يونس: 101).
13ــ استخدام لغة الأرقام والإحصاء استخدام لغة الأرقام التى يفهمها كل الناس مهما تختلف ألسنتهم فى الإقناع والتأثير،وعدم الاعتماد على الخطابيات والوجدانيات.
14ـــ التخطيط للمستقبل:والخطة يجب أن تراعى جميع الاحتمالات، والأخذ بالأسباب الممكنة، وقد يظن البعض أن التخطيط للغد ينافى التوكل على الله أو الإيمان بقضائه وقدره،والذى يتعمق فى دراسة كتاب الله وسنة رسوله يتبين له أنهما يرفضان  الارتجال والعشوائية، وقد بين رسول الله صلى الله عليه وسلم أن التوكل على الله لا يعنى اطراح الأسباب أو إغفال السنن (قصة الإعرابى والناقة).
15ـــ إقرار منطق التجربة فى الأمور الدنيوية: وهو المنهج التجريبى القائم على الملاحظة والتجربة  فى أمور الزراعة والصناعة والتجارة، والقانون الذى يجب الخضوع له فى ذلك هو القانون الذى تنتجه الخبرة والممارسة أو المشاهدة والتجربة ويكفى العقل الإنسانى فى هذه الأمور هاديا ودليلا أما الوحى  فحسبه أن يضع للناس: القيم والمبادئ العامة، والضوابط ثم يدع البشر ينصرفون تبعا لما يعلمون.
16ــ مراعاة السنن فى الأنفس والآفاق: ومن سمات العقلانية مراعاة سنن الله تعالى وقوانينه فى الآفاق والأفق والأنفس فى الكون والمجتمع. ومن هذه السنن سنن تغيير الأقوام والمجتمعات، وسنن النصر على الأعداء، وسنن ترتيب المسببات على النتائج فلا زرع بغير بذر، وسنن نشوء الحضارات وانحلالها وقيام الدول وسقوطها.

2) من الجدل إلى العمل....
" وقالت الحمامة: أيها الأخوة والأخوات فأنا قد تجولت فى البلاد ووجدت أن الحيوانات البائسة، تكثر الكلام، وتجيد رصف الألفاظ، لكنها لا تجيد الأفعال بل ولا تفعل ما ما تقول " ضرورة العمل وجديته وسرعته وإحسانه، وقلة الكلام والثرثرة وعدم ضياع الوقت فيما لا يفيد  يعد من أهم الأسباب للخروج من الأزمات....الأمة التى يعرف أبنائها قيمة الوقت حتما ستستخدمه فيما يفيد.......

1ـــ الكلام عن أمجاد الماضى
من المواقف السلبية التى ينبغى تجاوزها هو الإسراف فى الكلام عن الماضي والتغنى بأمجاده دون أن يتحول ذلك إلى عمل فى تحسين الحاضر، وتطويره إلى ما هو أفضل بغية أن نكون يومنا خيرا من أمسنا وغدنا خيرا من يومنا. لا نعنى بذلك أن ينسى الإنسان ماضيه، فهذا خطأ لا شرعا ولا عرفا ولكن يجب ان نذكر أمجاد، الماضى بالقدر الذى يدفعنا إلى مواصلة السير وأن يكون لنا دور فى استكمال هذه الأمجاد.
2ــ الكلام عن أخطاء الماضى ومآسيه
وهذا نوع آخر من السلبية، الإسراف فى الكلام عن مآسى الماضى ومحنه،دون السعى الإيجابى فى تلافيها، والإنسان إذا عاش فى هذا الجو القاتم فإنه لا يستطيع أن يقدم شيئا لنفسه ولا لدينه إلا التحسر على ما فات والوقوع فى أسر "لو" المتحسرة و"ليت" المتمنية.
3ــ  الكلام عن أخطاء الآخرين
ومن هذه السلبيات الحديث عن أخطاء الآخرين، والإسراف فى ذكرها، تحت عنوان "النقد"، أو "النصيحة" ولكن النقد شيء والغيبة شيء آخر، والنصيحة شيء والتشهير شيء آخر. وهناك من يبحث عن الأخطاء كأنها هواية عنده، فهو يفرح بها إذا وجدها ويضخمها إذا عرضها، وهو يذكر دائما الخطأ ولا يذكر أبدا الصواب وينشر المساوئ ولا ينشر المحاسن فى مقابلها.
وكان أولى من مهنة البحث عن الأخطاء وتجريح أصحابها وتزكية النفس صراحة أو ضمنا بالسلامة منها أن نقوم نحن بعمل إيجابي وإن لم يخل من أخطاء، فمن يعمل ويخطئ خير من القاعد الذى لا يعمل شيئا إلا نقد العاملين.
4ـــ الكلام بغير غاية ولا هدف" الجدل"
ومن السلبيات المذمومة الاشتغال بالجدل العقيم، فى مسائل لا يجدى الجدال فيها شيئا، وقال بعض السلف: إذا أراد الله بقوم شرا، رزقهم الجدل وحرمهم العمل. ومما يدخل فى الجدال العقيم، الانشغال بالمسائل الخلافية بين العلماء وتبنى رأى منها ثم محاولة إبطال الآراء الأخرى وشن الغارة عليها ومحاولة إشعال المعارك حولها. ولو شاء الله أن يجمع الناس على رأى واحد لأنزل آياته لا تحتمل إلا تفسيرا واحدا، ولجعل أدلة الدين قطعية الدلالة لا مجال فيها لاجتهاد أو اختلاف. فلا ينبغى لنا أن يحاول بعضنا رفع الخلاف فى العلم والفقه لأن هذه المحاولة تزيد الخلاف وتوسع دائرته.....
5ـــ الثرثرة الفارغة
"وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ" (المؤمنون:3)، واللغو: هو كل كلام لا فائدة فيه ولا جدوى من ورائه فى الدين والدنيا وقال الله تعالى فى الثناء على قوم مؤمنين: "وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ" (القصص: 55)، ومن معاصينا ايضا الثرثرة والتشدق بالقول، وملء المجالس بالكلام الخالى من الفائدة.
معنى الثرثار: هو الكثير الكلام تكلفا. المتشدق: هو المتكلم بملْ فيه تفاصحا. والمقصود هو تزويق ظاهر الكلام، وإن خالف الباطن والتصنع فيه إرضاء للناس.
6ــ القول المخالف للفعل
  ومن المذموم هنا بلا ريب الكلام الذى يتبعه عمل، أو القول المخالف للفعل. قال تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ" (الصف: 2ــ3).
  ومثل هذا الشخص تكذب أفعاله أقواله، وتقيم الحجة عليه عند خصومه ولاسيما إذا كان ممن نصب نفسه لدعوة الناس إلى الخير. ولذلك واجب على الذين يدعون الناس للخير أن يكونوا أمثلة عملية بأخلاقهم وسلوكهم، لا بمجرد أقوالهم ودعاويهم.....فما أكثر الدعوى، وما أعز المعنى.

ضرورة العمل وإحسانه.....
 "فى وقت المحنة قامت الحيوانات واجتمعت ووزعت أدوارها كما يجب على أفرادها حسب قدراتهم، ولم يبددوا أوقاتهم فى الكلام والعويل بل ولم يضيعوا يوما بدون اجتماعات لدراسة مشاكلهم والبحث والتحرى عن حلولها،لم ييأسوا، ولم يتوانوا عن التفكير، وعرف كل واحد منهم قدراته وسأل نفسه: كيف أستغل هذه القدرات وأشارك ولو بالقليل ؟ ولم يقف يتكلم ويتفرج من بعيد ولكن كان جزءا من الكل الذى يعمل لاستعادة الوادى كما كان...... ولم يحاول أحدا منهم أن يستقصى الأضعف أو الأقل فى الإمكانيات، بل على العكس كانوا من الذكاء أن يحددوا المعطلين فيهم والمقلدين ( القرود) ويتعاملوا معهم بذكاء حتى لا يعطلوا المسيرة فى الجزيرة. الكل يحمل هم الأمة،  الكل يعمل ليزيل الغمة ".

ضرورة العمل.....
 إن الأمة يجب أن تشغل نفسها وفكرها ووقتها: بالعمل والعطاء لا بالجدال والمراء، وخصوصا فى أوقات المحن والفتن التى تصيب الأمة. يقول الله تعالى: " ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ" (النحل: 32)، " وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ" (التوبة: 105)، الشيء الذى لا خلاف عليه، أن الإيمان الصادق لا يتحقق إلا بالعمل.وليس المهم أن نعمل، ولكن المهم أن نعمل صالحًا، والأهم أن نحسن العمل، بل ونسعى إلى العمل الأحسن.

إحسان العمل.....
 ليس المهم أن نعمل ولكن المهم أن نعمل صالحا، والأهم أن نحسن العمل، لا نطلب العمل الحسن فحسب، ولكن نسعى إلى العمل الأحسن. "لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً " (الملك: 2)، "إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا" (الكهف: 30).
ــ ومن إحسان العمل أن نقدم ما حقه التقديم، ونؤخر ما حقه التأخير وهو (فقه الأولويات ) فلا نهتم بالسنة على حساب الفرض مثلا....أو نقدم  فرض الكفاية على فرض العين. وهناك كتاب اسمه " فقه الأولويات " لمجدى الهلالى أو الشيخ يوسف القرضاوى.
ــ ومن إحسان العمل أن نعمل الشيء فى وقته، وفى موضعه فلا نعمله قبل أوانه، ولا نؤخره عن أوانه، وبهذا تعلمنا دقة التوقيت فى الصلاة والصيام.
ـــ ومن إحسان العمل  ان يكون عملنا محدد الهدف، واضح الغاية ن فلا نعمل شيئا اعتباطا كما أن علينا أن نحدد بوضوح ما استطعنا طريقنا إلى تحقيق أهدافنا، فى ضوء ظروفنا وإمكاناتنا، مراعين قاعة التدرج، والعمل بمراحل، بحيث نسلم كل مرحلة إلى ما بعدها، حتى نصل إلى الغاية المنشودة، ومن سار على الدرب وصل.

العمل للدين والدنيا معا......
 ومن الواجب هنا أن ندرك أن العمل للدنيا جزء من العمل للدين، وأننا اذا أضعنا دنيانا، فلن يبقى لنا دين. فمن أراد أن يعيش فى الدنيا عيشة طيبة، ويحيا حياة حسنة: فلا يمكنه أن يتوصل إلى ذلك  إلا بالعمل. ولقد رأينا الصحابة حينما أخذوا بأسباب النصر، واستوفوا شروطه الدينية والدنيوية، المادية والروحية، استحقوا النصر على أعظم إمبراطوريات الأرض. ورأينا أن حضارة الإسلام حينما أخذت بأسباب الرقى والتقدم العلمى والإبداع المادي أقامت أرقى حضارة فى العالم....

العمل السياسى وحده لا يكفى...
البعض يرى أن العمل السياسى  واستغراق الجهود فيه وحشد الأفراد له وتعبئتهم الفكرية والشعورية والتنظيمية هو وحده حل للخروج من الأزمات، ويغفل عن ألوان كثيرة من العمل النافع والضرورى مثل العمل الفكري والعمل التربوى والعمل الاجتماعي.... وهذه ليست منفصلة عن العمل السياسي بل هى مقدمات لازمة له، إذ لا بد من تكوين قاعدة جماهيرية عريضة تؤمن أصلا أن هناك أزمة، ولابد من الخروج منها....والوعى بالمشكلة هو أهم جزء فى حلها..

لا بديل عن العمل......
والحق أنه لا بديل عن العمل والعمل الدائب والعمل المستطاع، عمل فى كل الميادين، العمل مع النفس والعمل مع الأسرة والعمل مع المجتمع، العمل مع المسلمين ومع غير المسلمين، العمل باللسان والعمل بالقلم والعمل باليد، والعمل بالفكر والعمل بالبذل. العمل فى التربية والعمل فى الدعوة، والعمل فى الثقافة، والعمل فى الاقتصاد، والعمل فى خدمة المجتمع. إنه العطاء المتجدد، كل حسب طاقته، ولا يكلف الله نفسا إلا ما أتاها، على الموسع قدره وعلى المقتر قدره، عطاء بالمعروف حقا على المؤمنين.

مراتب العمل السبع.......
1ـــ إصلاح النفس:  حتى يكون الفرد قوى الجسم متين الخلق، مثقف الفكر، قادرا على الكسب، سليم العقيدة، صحيح العبادة، مجاهدا لنفسه، حريصًا على وقته، منظما فى شئونه، نافعًا لغيره، وذلك واجب كل فرد على حدة.
2ـــ إصلاح الأسرة: كل فرد عليه أن يحمل أهله على احترام فكرته والمحافظة على الآداب والأخلاق  فى كل مظاهر الحياة المنزلية، وحسن اختيار الزوجة أو الزوج، وحسن تربية الأولاد وتنشئتهم تنشئة صالحة.
3ـــ إرشاد المجتمع: بنشر دعوة الخير فيه، ومحاربة الرذائل والمنكرات وتشجيع الفضائل، والأمر بالمعروف والمبادرة إلى فعل الخير،وهذا واجب الفرد وواجب الجماعة.
4ــ تحرير الوطن: بتخليصه من كل سلطان أجنبى سياسي اقتصادي، ثقافي وفكري أو روحي.
5ـــ إصلاح الدولة: وهو أن يؤدى  كل فرد مهمته كخادم للأمة وأجير عندها وعامل على مصلحتها.
6ـــ إصلاح الأمة: بإحياء مجدها، وتقريب ثقافتها، وجمع كلمتها، حتى نعيد إليها الوحدة المنشودة.
7ـــ أستاذية العالم: حتى ننشر فكرتنا فى ربوع العالم، وهى مهمة أفراد وجماعات. و"وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ" (التوبة: 32).

"قالت حيوانات الوادي:  لقد اقترب وقت طلوع الشمس،فعلينا أن نفكر جميعا، كيف نخطط؟ وكيف نتعاون ؟ وكيف نتكامل ؟ وكيف ننظم شئون وادينا ؟ بحيث تتحقق لنا القوة والقدرة بالقدر الذى يمكننا من حماية أنفسنا وأبنائنا، وبالقدر الذى يمكننا من بناء وادينا من جديد". نعم لقد اقترب وقت طلوع الشمس، شمس حضارتنا لكى تعود مرة أخرى بعد أن كانت تدور حولها الدنيا يوما ما، أننا بحاجة أن نخطط لأنفسنا، بعد أن نحدد أهدافنا، لننطلق إلى بناء التقدم المنشود، بناء تشترك فيه كافة الفئات والطبقات، تشارك فى تخطيطه،وتشارك فى تنفيذه وتشارك فى ثمراته.حتى نرى ضوء شمس الحضارة  يتخلل بيننا مرة اخرى. 


 
     
   
 
حقوق النشر محفوظة للمعهد العالمي للفكر الإسلامي 2009   خارطة الموقع | اتصل بنا | شروط الخدمة | سياسة الخصوصية | دخول