ابحث  
 
 
     
 

مقالات حديثة | فئات | ابحث

لقاء صحفي للدكتور عبد الحميد أبو سليمان مع شبكة أون إسلام
28 مارس, 2013 :: 6289 Views
 

نظم موقع أون إسلام بمدينة السادس من أكتوبر مقابلة صحفية معمقة يوم الأحد الموافق 7/11/2010 مع الأستاذ الدكتور عبد الحميد أبو سليمان – رئيس المعهد العالمي للفكر الإسلامي، حول موضوع : "حدود العلاقة بين حرية الاعتقاد وحرية التعبير.. رؤى إسلامية ".
وحاور الدكتور عبد الحميد أبو سليمان من موقع Onislam.net" كل من:

1- أ. هشام جعفر
2- أ. أسامة عبد العزيز
3- أ. محمد زيدان
4- د. مجدي سعيد
5- أ. هشام عبد العزيز

ودار الحوار من خلال عدد من الأسئلة حاول المتحاورون من خلالها الوقوف على رأي أ.د. عبد الحميد أبو سليمان في الموضوع.
كان السؤال الأول من أ. أسامة: حول أن الغرب تنتابه حالة من العودة إلى الدين من منظور الدفاع عن المقدس في علاقته بالمنطقة الإسلامية؟ فهل أثَّـرت أحداث 11 سبتمبر في زيادة أعداد الداخلين في الإسلام في الغرب على الرغم من حالة العداء التي تكونت بعد تلك الأحداث؟

أجاب د. عبد الحميد على السؤال بقوله: من الأخطاء التي نقع فيها في عالمنا العربي والإسلامي أن نترجم أفعال الآخر من خلال ثقافتنا، وبالتالي نقع في خانة عدم إدراك خصائص الظواهر. فالحديث عن الدين لدى الغرب قضية وهمية، فالاستبداد الديني في العصور الوسطى في أوربا واحتكار الكنيسة لكل شيء، أوصل الغرب إلى أن تسود فيه الفلسفـة الداروينية الاجتماعية، وهي الفلسفة التي يقوم عليها الفكر الغربي المعاصر بعد أن تنكر -مع شيء من العذر- للمسيحية المحرفة في نظرتها إلى الإنسان والحياة والوجود، وتمثلت فلسفته في عبادة المادة والقوة، والغلبة والقهر والافتراس، وما في ذلك من تجاهلٍ لجانب الروح في الإنسان، وتجاوز لجانب الحق والعدل والنور والمسؤولية الإنسانية؛ الأمر الذي يمثل ارتكاساً بالإنسان إلى طبيعة الطين الحيوانية المنحطة التي تمثلها شريعة الغاب والافتراس؛ بحيث أصبح الحق يعني الغلبة للقوة، وأن البقاء للأصلح بمعنى الأقوى، وهو فكر تمكَّن من الغرب ومَنْ قلَّدهم وسار على دربهم.
ولذلك فإن الظاهرة الدينية الصهيونية هي ظاهرة تبريرية سياسية للهجمات العدوانية الاستعمارية ضد الشعوب المسلمة.

ولذلك فإن معاني الإنسانية والتراحم والتكافل والتسامي الإنساني فيما وراء الذات القومية العنصرية قد تلاشت منذ قرون بصور مختلفة في سياسات أصحاب شريعة الغاب المادية ومفاهيمهم في التعامل مع الآخر في صورها الإمبريالية والاستيطانية؛ لتحل محلها روح الحيوانية والقسوة، وتسود معها أبشع أنواع العنصرية العدوانية الاستعمارية التي عانت وما زالت تعاني منها - على يد الغرب - شعوبُ الإنسانيةِ بكلِّ أنواعِ الظلم والقهر، ولذلك فإن هذه الشريعة، وهذا الفكر وهذه الفلسفة، تفسر لنا ظهور القومية في الفكر السياسي الأوروبي الحديث التي وصلت القسوة والعنصرية فيه إلى حدِّ الإبادة الوحشية في بعض الأحيان، كما حدث في الأمريكتين، وفي أفريقيا وأستراليا وبلاد الشرق الأقصى، وفي حروب الأفيون بالصين واليابان، وكما يحدث اليوم على أرض فلسطين وسواها من بلاد العالم الثالث وأفريقيا.

إن شريعة الغاب هي شريعة الطين، وشريعة الافتراس، وشريعة الظلم، وشريعة العنصرية، وشريعة الاعتداء. أما شريعة النور كما جاءت بها الرسالات السماوية في الإسلام وفي بقاياها غير المحرفة في مختلف الأديان فهي شريعة الحق، وشريعة العدل، وشريعة المسؤولية، وشريعة الإخاء والتراحم والتكافل الإنساني، وهي شريعة التقوى وحفظ الأرواح، وشريعة أداء الأمانات وإنصاف المظلوم، وعدم الإسراف والفساد، باعتبار إنساني ودون أي اعتبار ذاتي أو قومي أو عنصري، والقوة في هذه الشريعة هي دائماً للحق على عكس مقولة شريعة الغاب التي تجعل الحقَّ للقوة، ولا مجال في علاقات الشعوب في شـريعة الغاب لمقولات الحقِّ والعدل لذاتها؛ ولكن الحقوق ترتب، أو على الأصح، فإن المكاسب –تحت مسمى المصالح القومية والضرورات السياسية- توزع على أسـاس التغالب وحلول الصراعـات السياسـة التي تقوم على قهر غلبة القوة، وما جرى ويجري للشعوبِ على يد الاستعمار، خاصة في أفريقيا وأمريكا الجنوبية، والذي ما يزال يجري على غراره بيد الوحشية الصهيونية للشعب الفلسطيني الذي سُلِبت أرضُه، وقُتِل –على مدى أكثر من نصف قرن من الزمان- جزءٌ كبير من شعبه وشُرِّد، وسُلِبت ودُمِّرَتْ جُلُّ أرضه وبلاده؛ بدعمٍ من الغرب الاستعماري وسلاحه وسياساته؛ والذي يبقى – على الرغم من كل الأكاذيب والتدليسات السياسية والدعائية الوقحة السمجة والحروب النفسية - شاهداً محسوساً ملموساً على قيم شريعة الغاب الغربية المادية الطينية ومفاهيمها القائمة على الظلم والعدوان والكيل بمكيالين أو بعدة مكاييل، والتي جرَّت - وما تزال تجرُّ - حتى اليوم على الإنسانية الكثير من المظالم والويلات والحروب، وبما طورته من أسلحة الحروب والدمار الشـامل، وذلك على غير ما تقضي به قيم شريعة النور ومفاهيمها وأسسها التي جاءت بها رسالات السماء في الحقِّ والعدل والرحمة والتكافل، وغير ذلك كذب وتدليس وقح.

أما السبب الرئيس في زيادة عدد الداخلين في الإسلام في الغرب بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر فهو – في رأيي- يرجع إلى حالة الاستنفار التي ظهرت في الغرب بعد تلك الأحداث، والتي كان الهدف منها إحداث حالة من التجييش النفسي الغربي ضد العالم الإسلامي، لكن الذي حدث أن اندفع معظم الغربيين إلى الاطلاع على ترجمات القرآن والسنة وسيرة الرسول  والأدبيات الإسلامية غير الاستشراقية الاستعمارية، فوجدوا في الإسلام غايتهم التي يبحثون عنها، فكان دخول تلك الأعداد المتزايدة في الإسلام.

 سؤال من أ. هشام جعفر 

ما هي العلاقة بين الحرية في المعنى الغربي، وبين الديني المقدس؟

أجاب د. عبد الحميد، لما تخلى الغرب عن الدين حلت المادية الحيوانية، وبذلك أخذت الأمور ثلاثة مظاهر أساسية للحياة:

الأول: سيادة الرأسمالية في مجال الاقتصاد وتطويع كل النظريات الاقتصادية لخدمة أهداف الغرب وفتح الأسواق لمنتجاته، وأشهر النظريات الدالة على ذلك نظرية آدم سميث في الاقتصاد والتي قامت على أساس حرية التجارة في وقت كان الغرب الاستعماري المحتكر هو الوحيد الذي ينتج، وكانت المستعمرات هي التي تستهلك، فأحدثت هذه النظرية اختلالات هيكلية في شكل الاقتصاد الدولي بالإيجاب للغرب والسلب لغيره.

الثاني: في مجال السياسة ظهور فكرة الديمقراطية، وليس المشكل في مبدأ الديمقراطية برغم أنه يجعل الحق والخطأ قضية ذاتية بحتة، ولذلك كان الغرب دائماً يطبق مفهوم الديمقراطية بمكيالين، واحد في محيطه وبلدانه، والآخر في تعامله مع الآخر؛ حيث يبيح أن تسود مفاهيم أخرى على رأسها مفهوم الغاب والافتراس والاستعمار.

الثالث: سيادة أخلاقيات الليبرالية والحرية المفرطة من دون أي حدود إلا الهوى والشهوات، دون اعتبار للفطرة، وللضوابط الأخلاقية، الأمر الذي أوجد مشكلة الشواذ وانهيار الأسرة، ولم يكتف بأن يسود هذا الأمر لديه، بل أراد أن يجعلها ثقافة عالمية تسود جميع الثقافات الإنسانية بما فيها ثقافة الأمة الإسلامية من خلال الإعلام والمنابر والاتفاقات الدولية أو ما يدعى اليوم بـ"العولمة" .

إن تخطي حدود حق الحرية لفعل كل ما هو أخلاقي فطريّ مفيدٌ إلى طلب حق حرية ممارسة ما هو غير أخلاقي وفطري وضار ليس حريةً، ولكنه فوضى وهدم وانحدار، وكل حضارة سالفةٍ تخطـت مثل سواها ممن سبق من الأمم السالفة حـدَّ الحرية الأخلاقية الفطرية البنَّـاءة كان لا بد من أن تنتهي إلى الانهيار الذي لا يستثني الحضارة الإسلامية حين تخطت الحرية مما فيه خير ونفع ويحقق الفطرة إلى ما هو فوضوي مدمر ظالم وضار، والذي تعاني الأمة الإسلامية اليوم بسببه ألوانَ الذلِّ والقهر والضعف والتخلف والهوان.
وليس عبثاً أن تكون فرنسا على رأس المعارضين لانضمام تركيا إلى الاتحاد الأوربي لعلمها الأكيد أن دولة بحجم سكان تركيا وقوتها الإقليمية ستسهم من خلال سلوك أفرادها في أن تحل الأخلاق الإسلامية السامية محل الأخلاق الليبرالية التي دخلت مرحلة الفوضى والانحطاط الاجتماعي، وسيؤدي ذلك إلى إرباك المنظومة الغربية العلمانية ومحتواها الليبرالي الذي بلغ حد الإدمان.

مشكلة تخلف الأمة الإسلامية وانهيار حضارتها له وجه آخر جاء نتيجة تحريف المفاهيم الإسلامية الإنسانية، والذي بدأ مبكراً منذ عهد الأمويين، فلقد بدأ هبوب رياح الضبابية التي خيمت بشكل سلبي تدريجي على الرؤية الكونية الإسلامية من بعد العهد النبوي وصدر الخلافة الراشدة، بحكم اضمحلال جيل جماعة "الأصحاب" الذين رباهم القرآن الكريم على يد حامل الرسالة والمعلم والداعية الأمثل، وشهدوا النموذج النبوي، وحكمة تنزيل النبوة للرؤية والمبادئ والقيم والمفاهيم القرآنية الإسلامية على واقع العصر بأبعاده الزمانية والمكانية، وذلك بأثر السن والوفاة والاستشهاد، وبحكم الضرورة العسكرية في مواجهة ثورة الأعراب الجاهلية المضادة، ثم بعد إخمادها، مع تكبُّـد جيل الأصحاب الكثير من الأرواح بسببها، ثم في مواجهة إمبراطوريات العصر الفاسدة المعتدية الغاشمة الفارسية شمالاً وشرقًا والرومانية شمالاً وغربًا؛ وهذا أدى إلى تجنيد القبائل في جيش الفتح، وهم الذين لم تكتمل تربيتهم بعد، الأمر الذي نتج عنه غلبة القبائل العربية من "الأعراب" على جيش الأمة الإسلامية وقوتها العسكرية وحياتها السياسية تبعاً لذلك، وذلك لحداثة عهد هذه القبائل بالإسلام، وترسب مفاهيم القبلية العنصرية الحيوانية النافية للآخر في نفوسهم وقيمهم وتقاليدهم الاجتماعية، ولعدم توافر إمكانات محو تلك الآثار الجاهلية بالكامل، وبالتالي إعادة تربية هذه القبائل، وإعادة بناء مفاهيمهم وقيمهم الاجتماعية العنصرية الجاهلية؛ وذلك بسبب جسامة ما فرض على الدولة الإسلامية الناشئة من صراعات مبكرة من قبل الإمبراطوريتين الرومانية والفارسية، وأيضاً لقسوة حياة الصحراء وصراعاتها القبلية على الموارد الطبيعية الضئيلة.

كل ذلك لم يمكِّن ولم يعمق حتى اليوم، في كثير من الوجوه، المفاهيمَ الإسلامية الاجتماعية التضامنية التي كان يجب أن تمثل القبلية والعرقية حلقة من حلقات المؤسسات التضامنية الإسلامية، كالأسرة، وأخوة الرضاع، والجوار، والمواطنة (ميثاق المدينة) والأمة والدولة، وليس عصبيةً عنصريةً مازالت تعاني منها الأمة الإسلامية فساداً وصراعاً وتمزقاً على جميع المستويات لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌالحجرات(13).

ومن المهم أن ندرك معنى غلبة "الأعراب" على الحياة السياسية للأمة الناشئة، وسيطرة السياسي على الديني، وتوظيفه لمصالحه الخاصة، وما ينجم عن ذلك من حتمية الاستبداد والفساد، وهو ما عبَّـر عن كثير من تنبؤات الرسول صلى الله عليه وسلم عما سيكون بعده من انحرافاتٍ وفتنٍ، وما سيكون لذلك من أثر خطير على مسيرة الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية للأمة، وأهم من ذلك تأثيرها الجوهري على الحياة الفكرية وعلى الرؤية الكونية الإسلامية.

فقبائل الأعراب، وبسبب طبيعة الجزيرة العربية القاحلة، كانت في الجاهلية وقبل الإسلام تعاني بطبيعة الظروف البيئية "قصوراً حضارياً"، بسبب عزلتها في جبال الجزيرة الشاهقة وصحاريـها الواسـعة، وهذا أوجب إنسـانيًا، واسـتثناء، على أمة الإسلام ودولتـه، العملَ -للمصلحة الإنسانية لهذه القبائل، وبكل الوسائل المناسبة الممكنة، كأي "قاصر"- على إدخالهم في نظام إنساني حضاري تضامني غير عنصري حيواني هو مجتمع "الإسلام"، فإما "حرب أو إسلام"، وذلك كمرحلة أولى من مراحل التأهيل الحضاري الاجتماعي التضامني التي لابد منها إنسانياً لتلك القبائل العنصرية المتوحشة البدائية، ولم يكن ذلك في الحقيقة إرغاماً لتلك القبائل على عقيدة الإسلام، ولكنه شكم وترويض إنساني مثله مثل شكم الخيل البرية الوحشية التي لا بدَّ لها من أن تشكم حتى تروَّض وتستأنس، ومثل الطفل الذي يأبى العلاج قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ (الحجرات: 14).

إن الجيل القرآني الذي تربى في عهد النبوة أنشأ أمثال سيدنا عمر بن الخطاب الذي قال قولته الشهيرة "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً" في مجال الحكم للقبطي المصري الذي لطمه ابن عمرو بن العاص والي مصر في عهد عمر، فاقتص له من ابن قائد جيوش المسلمين على مصر وواليها، وصاحب العقلية العلمية حين أبى الدخول إلى أرض نزل بها وباء، وهو في طريقة لتوقيع اتفاقية بيت المقدس حقناً للدماء، ليقول "أفر من قدر الله إلى قدر الله" لأن كل ذلك سنن كونية لا خرافة وشعوذة.

وانظروا معي إلى حادثة تقسيم أرض العراق والذي ورد فيها كما يلي:
جمع عمر بن الخطاب المسلمين للمشورة في قسمة أرض العراق التي فتحت عنوة، ليجعلها أرض خراج لبيت مال المسلمين. ولما قاطعه بعض الصحابة، ولم يوافقوه الرأي، وأخذوا يذكرونه بما فعله رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في قسمة الأرض المفتوحة عنوة بين المقاتلين في المدينة، وأرادوا أن تقسم الأرض رد عليهم قائلا: فكيف بمن يأتي من المسلمين فيجدون الأرض قد اقتسمت وورثت عن الآباء وحيزت؟ ما هذا برأي. فيتساءل عبد الرحمن بن عوف: فما الرأي؟ ما الأرض إلا مما أفاء الله عليهم. ويطالب بلال وعمرو بن العاص والزبير بن العوام بالقسمة. ويوافقه الرأي علي بن أبي طالب وعثمان ومعاذ بن جبـل وطلحة بن عبيد الله وأبو عبيدة وعبد الله بن عمر ويطالبونه بألا تقسم، وأن تبقى للمسلمين جميعاً، ويجمع الأنصار كلهم على ألا تقسم، ويحسم عمر بن الخطاب الخلاف وقد هداه الله إلى الدليل من القرآن ـ كما ورد في عدة مصادر بعدة صيغ ـ فيقول : قد بان لي الأمر وقد وجدت حجة من كتاب الله :

قال تعالى : (مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُم) (الحشر: 7) ثم قال (لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) (الحشر: 8) ثم لم يرض حتى خلط بهم غيرهم فقال: (وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْأِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَة) (الحشر: 9) ثم لم يرض حتى خلط بهم غيرهم فقال: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا) (الحشر: 10) فكانت هذه لمن جاء بعدهم إلى يوم القيامة؛ فقد صار هذا الفيء بين هؤلاء جميعاً، فكيف نقسمه لهؤلاء وندع من تخلف بعدهم بغير قسم، استوعبت هذه الآيات الناس كلهم فلم يبق أحد من المسلمين إلا وله فيها حق، قد عمت الخلق حتى الراعي بكداء، لئن عشت ليأتين الراعي وهو بسرو حمير نصيبه منها لم يعرق فيها جبينه).

وبعد سيادة عقلية المدرسيين على عقلية أهل المدينة ومظاهر الالتحام بالسنة والبعد عن القرآن الكريم ومفاهيمه ومقاصده اللازمانية أو اللامكانية، تردى الفكر الإسلامي وضاعت مؤسساته وظهر التخلف والجمود وأصبحنا عالة على الحضارات الأخرى نصدر إليهم المواد الخام الموجودة لدينا بأرخص الأسعار وترجع إلينا صناعات وتقنيات علياHigh Technologies بأسعار مرتفعة ترهق كواهل شعوب الأمة وتدخلهم في إطارات من الاستهلاك التي تستنزف موارد الأمة.

ومن أجل استدراك الأمر والعودة بالأمة وبالإنسانية إلى سابق ما كانت عليه من قيم ومفاهيم ومقاصد سامية يستلزم الأمر العودة برؤيتنا إلى الرؤية الكونية الحضارية القرآنية التي تمثل الغاية والدافع ومعنى الحياة، ونصلح فكرنا ونحرر وجداننا بإصلاح منهج تربية ناشئتنا وذلك بتنقية تراثنا مما يعيق انطلاقنا الحضاري، بإزاحة الغثِّ، والإفادة من الثمين على ضوء زمانه ومكانه.
 
واستكمل أ. هشام جعفر سؤاله قائلاً: يثار إشكال فيما يتعلق بفكرة الحرية والاعتقاد وتقديم الدين كحدود وضوابط للإنسان، فالدين يقدم من منظور فقهي يتحدث عن الحدود وغيرها وليس بأسلوب عقلي باعتبار أن الإنسان مستخلف ومكلف، وبالتالي أصبح الدين ظاهرياً شعائرياً وليس دافعاً لمدخل قيمي ومفاهيمي. ولذا كيف يرى د. عبد الحميد هذه الإشكالية؟

وأجاب د. عبد الحميد مؤكداً بأننا لم نصل إلى ما وصلنا إليه بعدم الفصل بين الدعوة والدولة بعد انتقال الرسول  إلى الرفيق الأعلى؛ حيث الدعوة هي تعليم الدين وقيمه وغاياته ومقاصده بعيداً عن يد السلطة، حتى لا توظف السلطةُ الدينَ وقدسيته لمصلحتها ومصلحة بطانتها من أدعياء العلم والقلم، لتحتكر السلطة والثروة، وينتشر الفساد، ويُقضى على طاقات القوة والإبداع في الأمة، فيصبح الدين مظاهر جوفاء وخطاب إخضاع وإرهاب.

ولأدلل على أنه كيف يحدث الانحراف ويصبح الدين خطاب إخضاع وإرهاب، لا بأس من أن أطيل لأروي تجربتي الشخصية وكيف أمكنني كلما واجهت شبهة أنصرف إلى النظر في نصوص الوحي لأحل تلك المشكلة، لأنه لا مجال في ذهني لأي شك، وذلك شرط للنظر الواثق من أن الفهم السليم لا بد من أن يهدي إلى الحق والصواب، ولأن الإيمان بالرسالة مبني على أساس عقلي متين. فقد سألت نفسي منذ عهد الصبا لماذا أنا مسلم؟ هل لأني ولدت مسلماً أو لأنني ولدت في مكة وكلنا مسلمون أم أنه يجب أن أكون مسلماً؟ فأنا أعلم بداهةً أن أمر خلق العالم فيما وراء قدرتي على إدراكه، ولكن ذلك ليس شأني، ولكن إذا جاء من يقول: إن لدي رسالة إليك من خالقك وخالق الكون. فذلك أمر خطير، ولكن السؤال الذي سألت نفسي: كيف لي أن أعلم أنه بالفعل لديه رسالة من الله خالق الكون؟ وعندها وضعت لنفسي ثلاثة مقاييس. أن تكون رسالة موثقة، والقرآن دون بقية الأديان موثقٌ، والثاني أن تكون رسالة خير، والإسلام رسالة خير (إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي). والثالث كيف أعرف أنها رسالة وليس ادعاءً، ولا سبيل للسؤال.

وهنا أدركت أنه يجب أن أجد الجواب من شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم، فعكفت على دراسة شخصيته، وما وجدته ألزمني الإيمان بأنه رسول من عند الله، فالرسول نشأ يتيماً في أهله، وفي قرية وبيئة بسيطة قاحلة، ليس فيها فلسفات ولا مدارس ولا مكتبات ولا نظام حكم، بل إنه لم يتولَّ أي منصب، ولم تكن له أي خبرة، بل كان متسبباً وراعياً، بل عُرف بصفة هامة جداً لما سيأتي بعد ذلك وهي صفة الأمانة، فالتبليغ يحتاج إلى شخص صادق أمين لا يُعرف عنه الكذب، وفجأة هذا الشخص بعد الأربعين، وقد مر بكل مراحل الحياة من شباب ونضج وزواج وأبوَّة، دون إبداء أي طموح، فإذا به ينادي في قريش قائلاً من على جبل الصفا: يا معشر قريش، أرأيتم إن قلت لكم أنه خلف هذا الجبل خيل تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي ؟ قالوا : نعم . ما جربنا عليك كذباً، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد .

وتساءلت في نفسي هل من المعقول أن يخفي شخص هذا الأمر بعد كل ما مر به من مراحل الحياة لمدة أربعين سنة إلا إذا كان حقاً مكلفاً، وكما تعلمون أن سن الأربعين عادة ما تتضاءل فيه التطلعات والطموحات باعتبار أنه سن النضوج، لا أن تتفجر فيه التطلعات والطموحات، ولأجده يؤمن به رجال من قومه عُرِفوا بالذكاء والقدرة، وعانوا معه لمدة ثلاث عشرة سنة دون ملل ولم يغيروا رأيهم فيه، ولأجده بعد ذلك أعظم قائد سياسي وعسكري وفلسفي وتربوي، كالهرم المقلوب، فكان لابد أن أؤمن إيماناً يقينياً أنه رسول من عند الله.

ولذلك فإن ما توصلت إليه في مسألة الحدود حين كنت أقوم بعملية تحليلٍ نفسيٍّ اجتماعيٍّ لدراسة سكن الطلاب في المدينة الجامعية في الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا، وجدتني أهتدي إلى فهم بديع لفلسفة الحدود ولنظام العقوبات الإسلامي الذي كان يمثل شبهة ضد الإسلام، وبدأ ذلك حيث وضّحت لي هذه الدراسة أمامي أن للعدد أربعة دلالةً نفسيةً واجتماعيةً خاصةً ومهمةً، وهي أن الأربعة يمثلون الحدَّ الأدنى للتفاعل الاجتماعي الإنساني المتكامل، مع كل ما يمكن أن ينشأ عنه من توازنٍ اجتماعي وإشباعٍ للحاجات الإنسانية، أي أن الأربعة يمثلون الحدَّ الأدنى للمجتمع بجميع متطلباته النفسية والاجتماعية، والتي وضَّـحتها في بحث نشرته عن نظام العقوبات الإسلامية،  بما في ذلك أن الإنجاب والتكاثر دون أن يشترك أحد الأبوين لا يتمّ إلا بأربعة، رجلين وامرأتين، أما إذا قلّ العدد عن أربعة فإنه لابد من أن يشترك إما الأب وإما الأم، الأمر الذي يجعل الأبناء إخواناً إما من جهة الأب أو من جهة الأم، ولذلك كان الحد الأدنى لإثبات جريمة الزنى هو أربعة شهودٍ، يشهدون شهادةً صريحةً قاطعةً، لأن شهادة الأربعة تعني الإشهار في أربعة، ومن أشهر في أربعة فقد أشهر في مجتمع، لأن الأربعة هو الحد الأدنى الذي يتحقق فيه معنى المجتمع، وليس عددَ ثلاثةٍ أو ما دونها.

    من هذا التحليل وما قاد إليه من إدراكٍ لدلالة شهادة الأربعة يتضح أن العدد ليس عدداً اعتباطياً، لكنه عددٌ لـه دلالة نفسية اجتماعية مهمة، وأن المعيار فيه هو اعتبار أنّ الفعلَ قد تمّ أمام أعين المجتمع جهراً وعلانية، وفي ذلك إشاعةٌ للفاحشة والفساد، وعدوانٌ على حرية الآخرين وخيارهم، وتعريضٌ لهم ولصغارهم دون خيار منهم لمفاسد المنحرفين، والله سبحانه وتعالى {لاَّ يُحِبُّ اللّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوَءِ}النساء148 و(إذا بليتم بالمعاصي فاستتروا.... الحديث).

     أما عقوبة الشهود الذين يقل نصابهم عن الأربعة، ولو كانوا ثلاثةً وكانت شهادتُهم شهادةً صريحةً قاطعةً، فقد وضَّح هذا التحليل حكمتها، فذلك بالدرجة الأولى من شئون التربية، وأن العقوبة إنما هي للإشهار المستهتر ولإشاعة الفاحشة، وليست للفعل في حدِّ ذاته، ولذلك لابدَّ أن يكون الإشهار في مجتمعٍ، وحدّه الأدنى أربعة، كما يوضِّح أن عقوبة تعزير الشهود دون الأربعة عقابٌ لهم؛ لأنهم -وكذلك المعلن المعترف والمصرّ على الإعلان والاعتراف بجرمه برغم جهود النصح بالستر والتوبة والإنابة - هم الذين أشهروا، بدل أن يستروا، وهم الذين حوّلوا ما هو زلة أو خطيئة تمت في خفاءٍ ضعفاً أمام نوازع النفس، وحوَّلوا الخطيئة المرشَّحة للندم والنصح والتوبة، ليصبح الفعلُ فضيحةً وتشهيراً وإشاعة للفاحشة، ولذلك فإن الستر هنا هو الأصل، وليس لأحدٍ أن يترصد الزلات ويشيع ما تمّ في خاصة، أي فيما دون الأربعة. وهكذا فإن الشهود دون الأربعة إذا أعلنوا وشهدوا فإنهم هم الذين أخرجوا بالترصُّد ما كان خطأً وخطيئةً وضعفاً من دائرة الخاص إلى دائرة الفضيحة والتشهير وإشاعة الفاحشة؛ ليصبح في دائرة الجمعي والعام؛ الأمر الذي يجعل الشهود موضع الزجر والتعزير.

     ولذلك؛ فإنه يجب ألا تغيب عن أذهاننا دلالةُ اشتراط الشهادة القطعية الصريحة، لا الظنية أو الافتراضية، للشهود الأربعة، لإثبات الإشهار والاستهتار وإشاعة الفاحشة بارتكاب جريمة الزنى، لأنه لو كانت عقوبة الزني للفعل لما هو من زلات نوازع النفس لكفى فيها شهادة اثنين، ولكان للقرائن موضعها واعتبارها في إثبات الفعل، كما هو في جرائم الأموال والدماء التي يُقصد من إثباتها وعقوباتها منعُ الفعل في ذاته وردعه؛ لأن الأمن الاجتماعي في جرائم الأموال والدماء هو في منع الفعل وليس في منع الإشهار، أما جرائم نوازع النفس وشهواتها الغريزية فإنه لا بد من أربعة شهودٍ، ولا بد من أن تكون الشهاداتُ صريحةً قاطعةً، تكشف عن قصد الإشهار، وسلوك الاستهتار، وإشاعة الفاحشة بين المؤمنين.

{إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ }النور19.
{"الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ . إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ  رَحِيمٌ"} النور:4-5.
  {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ، أُوْلَـئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ }آل عمران135-
بل إن الدراسة لمن شاء أن يطلع عليها وضَّحت أن فيما يسمى الحدود هو سقف العقوبة وللمجتمع أن يعاقب بما دونها مما يمنع الجريمة، وتصل إلى حد العفو عن القاتل والسارق وسجن المفسد إلى أن يُؤْمَنَ شرُّه، وإلا بقي حتى الموت.

كذلك فيما يتعلق بما يسمى "حد الردة"، فمن العجيب أن القرآن الكريم قد نصَّ على عقوبات دنيوية حول كل ما عرف فقهياً "بالحدود"؛ بدءاً بحد القصاص إلى حد السرقة وحد الزنى وحد الحرابة والإفساد في الأرض، وبرغم ذلك يبقى ما سمي بحد الردة، الذي يتعلق موضوعه بالعقيدة التي هي جوهر الدين، ومع ذلك لا نجد القرآن الكريم ينص بأي شكل من الأشكال على عقوبة دنيوية بشأن هذا الأمر المهم والخطير، حتى في الحالات التي تحدَّث القرآن الكريم فيها عن "الردة" و "المرتدين" الذين يبيتون التآمر بإعلان إسلامهم ودخولهم في دين الإسلام، ثم يعلنون بعد ذلك كفرهم وخروجهم من الإسلام؛ بهدف إثارة الشك والفتنة بين المسلمين {وَقَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُواْ بِالَّذِيَ أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُواْ آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ }آل عمران72، وبرغم ذلك فإن القرآن الكريم - حتى في هذا الموقف التآمري الخطير - لا يتحدث ولا في آية واحدة عن عقوبة دنيوية بشأن ذلك التآمر وذلك التدبير أو أي شيء على شاكلته مما يتعلق بالدخول في الإسلام أو الخروج منه، وكل ما تحدث عنه في هذا الشأن هو العقوبة الأخروية( )، بل إننا نجد القرآن الكريم يتحدث في شأن العقيدة بعكس ذلك، وبرغم ذلك، وفي آيات عديدة، وفي أكثر من موضع، عن حرية اختيار العقيدة، ويؤكد عدم الإرغام بشأنها، كما أننا نجد التطبيق النبوي الفعلي يؤكد ذلك المبدأ وذلك الالتزام؛ فعلى الرغم من أن اليهود في المدينة حاربوا رسول الله (r)، وحاربوا دولة الإسلام، وقَدِرَ رسول الله (r) عليهم، وقَدِرَت دولةُ الإسلام عليهم، ومع ذلك لم نجد رسول الله (r) يرغمهم على الإسلام، ولم نجد دولة الإسلام ترغمهم على الإسلام، لا هم ولا سواهم من نصارى الجزيرة العربية، بل إننا نجد رسول الله (r) يدعو نصارى نجران ويحاورهم في مسجده بالحسنى، ولم يتعرض لهم ولا لعقيدتهم بأي أذى أو قهر أو جبر، بل شملهم بعهد الله ورسوله وذمة الله ورسوله وحماية دولة المسلمين، كما أوصى المسلمين بعدم التعرض لأصحاب الصوامع من الرهبان، كما أوصى بأقباط مصر خيـراً، كما أمر أن يُسَنَّ بالمجوس عبدة النار بما سَنَّه القرآنُ بأهل الكتاب، أما ردة الغرض فإن الأمر إلى السلطان يأمر بالعقوبة المناسبة للجرم، فإن كانت الردة باباً للفتنة والتخريب فقد تصل العقوبة إلى الإعدام، ولكن هذا الإيمان وهذه الردة لا علاقة لها بإيمان أو كفر، بل هو إظهار إيمان غرض يقدر بقدره.
ومن أجل ذلك يجب أن تكون التربية الدينية تقوم على الاقتناع والدعوة بالحسنى، وليس على الجبر والتسلط، لأن الإرادة شرط المسئولية.

وكان هناك سؤال حول: المقابلة بين الحرية الأخلاقية الإنسانية والفوضى المادية الحيوانية.
أكد د. عبد الحميد في معرض رده على ذلك بأن حرية التعبير يجب أن تكون مكفولة  وأي محاولة لوضع قيد اعتباطي على حرية التعبير سيؤدي إلى الاستبداد، والحرية لفعل ما هو أخلاقي ونظري ونافع، أما ما هو ضار ومنحرف وغير فطري فإنه فوضوي حيواني، ولذلك دعا إلى أهمية التربية وتربية الإنسان على ما هو حق وصواب، وأن تدهور مناهج التربية هو ذلك الخلل الذي أصاب منهج الفكر الإسلامي، وأدى إلى خطاب التهديد والقهر وفساد مناهج التربية السوية؛ حيث تم في ذلك المنهج تغييب البعد المعرفي الشمولي التحليلي الذي يتعلق بمعرفة "السنن الإلهية"( ) في الطبائع النفسية والكونية، وفي تفاعل عواملها المركبة رأسياً وأفقياً في الزمان والمكان، وهذه السنن الإلهيـة (القوانين الطبيعية) هي التي يشـير إليها قول النبي : "خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا"( )؛ بمعنى أنّ للتربية والتنشئة أسساً نفسية هي سنن وقوانين إلهية، وأن طرق التعامل معها تحدد نوعية البناء النفسي للفرد، وعلى أساسها تتبلور نوعية الفرد ويتشكل معدنه وطاقاته: ومنها الشجاعة والجبن والأمانة والخيانة.. وما إلى ذلك، وهي التي يتم تسخيرها اجتماعياً - في اتجاهٍ أو آخر- بحسب الرؤية الكونية الاجتماعية لكل أمة ومجتمع، فجندي الجيش ورجل العصابة كلاهما يتوجب فيهما الولاء والشجاعة للنجاح في أدوارهما؛ ولكن الجندي يسخرها في سبيل الدفاع عن الأمة، ورجل العصابة الإجرامية يسخرها للأذى والإضرار بالناس. وقد كان من نتيجة خلل منهج التفكير ضعف الوعي بأهمية الدراسة العلمية النظرية والتجريبية للتكوين النفسي للإنسان، ودور الطفولة فيه، ونوعية الخطاب النفسي التربوي المناسب لكل مرحلة من مراحل تلك الطفولة، وأثر ذلك في تكوين البناء النفسي اللازم للفرد المسلم؛ من أجل توفير الدوافع الوجدانية النفسية اللازمة لـه حتى يكون الناشئة الأداة الفعالة في الإصلاح والتغيير وتصحيح الرؤية الكلية الكونية الاجتماعية، وإزالة الانحرافات الناجمة عنها، واستعادة القدرة على إتقان الأداء ومواجهة التحديات بشكل إيجابي فعّال .

والأمر الثاني: هو غياب الخطاب النفسي العلمي التربوي السليم الذي لابد منه لبناء نفسية الطفل المسلم؛ وقد أدى غياب هذا الخطاب إلى خلل في تكوين البعد النفسي الوجداني الإسلامي السليم لدى الطفل المسلم؛ الأمر الذي جعله ينمو إنساناً بالغاً مفتقداً لدافع البعد الوجداني الفعّال اللازم لتحريك الطاقة، وبذل الجهد، وتوفير الأداء الإيجابي الذي يُعَـدُّ شرطاً ضرورياً لتملك القدرة على التصدي للتحديات التي تواجه الأمة والمجتمع بشكل ناجح فعَّـال، والخطاب النفسي العلمي التربوي السليم هو ضروري كذلك لتصحيح الانحرافات الموجودة في الذات، وفي المجتمع، إنه خلل في منهج الفكر، وبالتالي فإن هذا الغياب هو الذي يفسر عدم قدرة الإنسان المسلم والأمة المسلمة -حتى اليوم - على الاستجابة لمتطلبات مشروع الإصلاح الحضاري الإسلامي، وتصحيح الانحرافات، ورصّ الصفوف، وإتقان الأداء، على الرغم من سلامة غايات هذا المشروع، ونبله، وتوافر الوعي المعرفي بأهدافه ومتطلباته لدى البالغين من أبناء الأمة

ووجه الأستاذ/ محمد زيدان سؤالاً حول: كيف نعالج موقف ضعفنا الحالي؟
ورد د. عبد الحميد أبو سليمان بمعالجة أزمة العقل المسلم، والذي يجمع في تكوينه المعرفة وقوة الإرادة والفعل، فليست المعرفة وحدها تكفي من أجل التغيير بل يجب أن يتبعها الفعل فهي مجالات ثلاثة هامة هي: الجانب الفكري المعرفي، والجانب النفسي الوجداني الإيجابي التربوي، وجانب الغاية والدافعية والتي هي الرؤية الكونية التي تحرك الإرادة نحو الفعل. وأي خلل في أي مرحلة من تلك المراحل يؤدي بنا إلى التخلف، وهذا حصل كما ذكر سابقاً في مسألة تغيير القاعدة السياسية الفاعلة في حياة الأمة من جيش الفتح إلى الأعراب وسيادة القبلية العنصرية، وأصبح الفكر مدرسياً وجبرية سائدة وحصل انفصام نكد بين الفكري والسياسي، وانعزلت القيادة الفكرية عن حاجات الجماهير وأصبح الفكر فكراً مدرسياً نظرياً جامداً، وأصبحت الصفوة السياسية دون قاعدة فكرية مما جعلها متسلطة فاسدة، ومن أجل معالجة التدهور في حياة الأمة مطلوب تحرير الفكر وانفتاحه على مصادر المعرفة وحياً وسنناً كونية وواقعاً معاشاً بإمكاناته واحتياجاته، وصفوة سياسية تخضع لوصاية الأمة في برامجها السياسية بما يحقق مصالح الأمة وينطلق من قيمها ومقاصدها.

سؤال أ. عبد الهادي أبو طالب: الناظر لوضع الأمة قد يشكك في دينها برغم قوة الدين الإسلامي، فمنذ فترة وهي في ذيل الأمم بعد أن كانت في الصدارة، فما الحقيقة في هذا الوضع وكيف الخروج منه؟
ورد د. عبد الحميد قائلاً: دعنا أولاً نحدد ما هو الحضاري هل هي سيادة القيم الأخلاقية السامية التي يسود بها العدل والمساواة وتحقيق مصالح الأمة أم تحقيق إنجاز تقني وتكنولوجي بغض النظر عن توظيفها في الجور والظلم والعدوان، أوربا ما قبل القرن الثامن عشر لاشك أن وضع المسلمين وحضارتهم في ذلك الوقت كان أفضل منها بمراحل كبيرة. وبالتالي فإن الغرب في عالم اليوم بالمعني الحضاري غير متحضر، بل هو قوي مادياً وعسكرياً، ولكنه متخلف إنسانياً، فقانون حياته وعلاقاته هو قانون الغاب، حيث الحق للقوة. انظر ماذا فعل الغرب بالهنود الحمر وبسكان استراليا الأصليين، وما حدث لأمريكا الجنوبية وللصين واليابان، وانظر إلى الحروب الاستعمارية العالمية والقنابل النووية على مدن اليابان، وما عانت وتعاني منه حتى اليوم أفريقيا وبلاد العالم الإسلامي، واستعباد أبناء أفريقيا. الأمة الإسلامية برغم ما فيها من ضعف وانحرافات يظل في ضميرها أنها على خطأ وترغب في إصلاح هذا الأمر، علماً أن إصلاح الأمة الإسلامية يحقق استنقاذاً للمسلمين، وفي نفس الوقت هو إصلاح للبشرية جمعاء، فالإسلام خطابٌ للإنسان دون تفرقة لعرق أو لغة أو لون أو مكان أو زمان.

سؤال د. مجدي سعيد:
إذن ترى سيادتك أن المهمة الأساسية هي إعادة صياغة الإنسان والمجتمع وفقاً للرؤية الكونية القرآنية، وأن عدم علاج أعراض مرض الأمة سيزيد الطين بلة؟

وأجاب د. عبد الحميد قائلاً إن التغيير لا يحدث بشكل إرادي، بل لابد من أن يحدث برغم أنف الإنسان، وبالتالي فإن الجهة الوحيدة في المجتمع القادرة على التغيير هم الوالدان إذا ساعدهما المفكر التربوي السليم الذي يُحدِث لديهم اقتناعات بالقيم الإيجابية، فلا يكفي مجرد معرفة القيمة الدينية المطلوبة من مثل الأمر بعدم الكذب حتى لا تكذب، بل يجب أن يحدث ذلك من خلال الأسلوب التربوي السليم الذي ينشئ الطفل على الشجاعة والجرأة على قول الحقيقة. الغرب برغم علمانيته يكره الكذب وما حدث لنيكسون وكلينتون وتوني بلير وبوش ما كان إلا بسبب الكذب، والسبب في ذلك أن الطفل الغربي حين يخطئ يوضح الأمر له، وإذا عوقب كان عقابه هيناً يعبر عن عدم الرضا، فيكون لدى الطفل الجرأة والشجاعة إذا أخطأ أن يعترف فينشأ على صفة الصدق، أما لدينا فلا يُشرح الأمر للطفل، ويعاقب عقاباً شديداً، فيعيد الخطأ نفسه، ويضيف إليه آلية الكذب لحماية نفسه.

سؤال أ. هشام عبد العزيز: فضيلة الدكتور قدمت خلال حديثك نسقاً شرقياً ونسقاً غربياً، في العلاقة بين الشرق والغرب، وأن تكون العلاقة علاقة الدبِّ بالفيل، وليس علاقة العنزة بالذئب، فلا تكون علاقة صراع، ولكن علاقته حوار، فكيف يكون ذلك؟

ورد د. عبد الحميد قائلاً لتحقيق ذلك فإن العلاقة بين الشرق والغرب علاقة حوار حول القيم والمفاهيم، وما هو صواب ونافع، لتكون العلاقة علاقة دبٍّ وفيل، كل في حاله، ولذلك، فإنني لا أرى أن يكون الحوار مع الغرب حواراً مع الأديان، فكل الأديان في الغرب أصبحت مهمشة، ولذلك يجب الحوار مع الليبرالية وسياسات القوة وقضايا الأسرة، وأن لا يكون الغاية من الحوار أن يبرهن أيٌّ من الأطراف على أنه وحده المصيب، بل الحوار من أجل أن نطور حياتنا المشتركة إلى ما هو أفضل، وفي نهاية الشوط ودون منازعه لا يصح إلا الصحيح، فالغرب يعلم أنه في أزمة وكذلك الأمة الإسلامية.


 
     
   
 
حقوق النشر محفوظة للمعهد العالمي للفكر الإسلامي 2009   خارطة الموقع | اتصل بنا | شروط الخدمة | سياسة الخصوصية | دخول